الرئيسية / فضاء / المادة المظلمة، النسيج الخفيّ للكون

المادة المظلمة، النسيج الخفيّ للكون

إنَّ نزعة التركيز على الذات المتغلغلة في أعماقنا بفعل تطورنا وخبراتنا على كوكب الارض أدت بنا إلى التركيز أساسًا على الأحداث والظواهر القريبة منِّا، وذلك في محاولة منِّا لاكتشاف أصولنا ومعرفة مصدر وجودنا ككوكب، وكنظام شمسي، وأيضاً الكون ككل. ولكن ماذا يحدث لو أدركنا فجأة أنَّنا لا نرى بالفعل الكون المحيط؟ ماذا لو أنَّ ما نراه هو مجرد ذرة من أصل الكون كله؟ أليس شيئا مثيرًا للرعب؟

منحنى دوران المجرة، وتظهر المشاهدات الفعلية باللون الأحمر، أما الحسابات النظرية بالأزرق.

في ثلاثينيات القرن الماضي قام بعض العلماء بحساب سرعة المجرات نظريًا فوجدوا أنَّها أقل بكثير مما هو في الواقع وأنَّ النتائج غير مطابقة للمشاهدات العملية، وقاموا أيضًا بعمل علاقة بيانية توضح علاقة سرعة المجرات وبُعدها عنَّا. فالمنطق الرياضي يوضح بأنه يجب أن تقل السرعة كلما زادت المسافة بعدًا عنّا ولكن التجارب العملية توضح بجلاء أنَّه يحدث تسارع للمجرات البعيدة. إذاً ما السبب؟

وكالعادة عندما يتحير العلماء في تفسير ظاهرة ما فإنَّهم يفترضون نظرية ما ثم يحاولون بعد ذلك إثباتها بالدلائل والبراهين. وفي حالتنا تلك فقد وضع العلماء تفسيراً يكاد يكون مقبولاً من معظم الوسط الفيزيائي، وهو افتراض وجود مادة غير مرئية تتحكم في سرعة تباعد المجرات وتوسعها، وأطلقوا عليها اسم المادة المظلمة، وذلك لأنَّها لا تتفاعل بأي شكل من الأشكال مع المادة العادية، فهي لا تتصادم معها ولا تمتص ولا تبعث الطاقة ولا يمكننا الاستدلال على وجودها بأي أداة تجريبية متوفرة حاليًا. فلماذا لا نستدل عليها إلا من خلال الجاذبية؟ وهل هي موجودة حقًا؟

بين 1960 و1970 تصورت عالمة الفيزياء فيرا روبن أنَّ المجرات تسبح في هالة من المادة المظلمة، والتي تقوم بدورها بدعم جاذبية النظام والحفاظ على المجرات متماسكة. ولكن واقعيًا لم تكن هناك حينها أي وسيلة للكشف عن ذلك حتى أنَّ البعض فسّرَ ذلك بوجود خلل في نظريات الجاذبية وأنَّها لا تعمل على النحو المألوف على المسافات البعيدة.

ومؤخرًا توصل العلماء إلى دليل على وجودها، ليس بالدليل الكبير ولكنه يعد إنجازًا عظيمًا في الطريق لكشف اللثام عن تلك المادة، فقد وجدوا تأثيرًا للمادة المظلمة على مسار الضوء المار خلالها وهذا سيمكنهم من رسم خرائط لتوزيع كثافة تلك المادة في الكون، وذلك باعتمادهم على مقدار انحراف الضوء. وقد طوروا تلك التقنيّة واستخدموها كتليسكوبات لرصد الأجسام البعيدة في الكون، كونها عدسات للجاذبية تقوم بثني الضوء المار من خلالها والقادم من مجرات بعيدة.

هذه الصورة المميزة من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي توضح الخطوط العريضة للكون المظلم كمثال لكيفية تواجد وتأثير المادة المظلمة على كوننا، وهذا الإطار من المحاكاة الحاسوبية المفصلة يُظهر خيوطًا معقدة من المادة المظلمة كما هو مبين باللون الأسود وتنتشر حول الكون مثل شبكات العنكبوت، في حين تتواجد كتل نادرة نسبيا من المادة الباريونية المألوفة (المادة المرئية) باللون البرتقالي، وتُعد تلك المحاكاة مناسبة للمشاهدات والاحصائيات الفلكية.

مم تتكون؟

يبذل العلماء الكثير من الجهود لمحاولة كشف الستار عن ماهية المادة المظلمة وتكوينها، وتُعَد إحدى المهام الرئيسية لمصادم الهادرونات الكبير (LHC) التعرف على تركيب تلك المادة. وتفترض العديد من النظريات أنَّ جزيئات المادة المظلمة ستكون خفيفة بما فيه الكفاية ليتم إنتاجها في المصادم (LHC) وربما تمَّ تخليقها بالفعل ولكنها تهرب من أجهزة الكشف دون أن يلاحظها أحد، ورغم ذلك فإنِّها من المؤكد سوف تحمل الطاقة وكمية الحركة، لذلك يمكن للفيزيائيين استنتاج وجودها من قياس كمية الطاقة وكمية الحركة المفقودين بعد الاصطدام.

ويتبع العديد من عمليات البحث التجريبية للمادة المظلمة: الكشف المباشر عن جسيمات المادة المظلمة باستخدام أجهزة كشف جديدة مبتكرة مثل الكشف عن الأشعة السينية أو أشعة جاما من الانحلال أو فناء جزيئات المادة المظلمة، والكشف عن جزيئات المادة المظلمة التي تنشأ عن طريق اصطدام حزم من البروتونات عالية الطاقة.

وينشأ ترشيح فكرة المادة المظلمة في كثير من الأحيان في النظريات التي تقترح الفيزياء خارج النموذج القياسي مثل التناظر الفائق والأبعاد الإضافية، وتشير إحدى النظريات إلى وجود وادي خفي بمثابة عالم موازي مصنوع من المادة المظلمة ويمتلك القليل جدًا من القواسم المشتركة مع المادة التي نعرفها، وإذا ثبت أنَّ إحدى هذه النظريات صحيحة فسيساعد هذا العلماء على فهمٍ أدق لتكوين الكون حولنا، فمثلًا فهم مسألة تمدده أو تسارع المجرات أو كيفية تكوينها وتجمعها في عناقيد ودورانها بسرعات عالية.

هناك مجموعة كبيرة من الأدلة تشير إلى أنَّه لا يمكن أن تكون المادة المظلمة مادة باريونية، أي لا يمكن أن تتكون من البروتونات والنيوترونات، ويعتبر النموذج المفضل أن المادة المظلمة تتكون في الغالب من جسيمات غريبة تشكلت عندما كان الكون أقدم عمرًا من الجزء من الثانية، ويمكن لهذه الجزيئات التي تتطلب تمديدًا لما يسمى بالنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات الأولية، أن تكون WIMPs (جسيمات ضخمة ضعيفة التفاعل) أو أكسيونات أو نيوترينوات عقيمة.

ويمكن تقسيم المواد غير البارونية إلى ثلاث فئات أساسية: ساخنة ودافئة وباردة، تشير المادة المظلمة الساخنة إلى الجسيمات مثل الأنواع المعروفة من النيوترينوات التي تتحرك بسرعة تقترب من سرعة الضوء، عندما بدأت الكتل التي تشكل المجرات والعناقيد المجرية والنجمية لأول مرة في النمو، وتشير المادة المظلمة الباردة إلى الجسيمات التي كانت تتحرك ببطء عندما بدأت الكتل ما قبل المجرية بالتشكل، والمادة المظلمة الدافئة تشير إلى الجسيمات مع سرعات وسطية بين المادة المظلمة الساخنة والباردة.

هذا التصنيف له نتائج رصدية لحجم الكتل التي يمكن أن تنهار خلال توسع الكون، فجسيمات المادة المظلمة الساخنة تتحرك بسرعة بحيث التكتل مع مجموعة من المجرات ​​سوف تتشتت سريعا، ولا يمكن إلا أن تكون السحب مع كتلة الآلاف من المجرات أي حجم مجموعات المجرات، وسوف تتشكل المجرات الفردية في وقت لاحق مع تجزئة السحب الكبيرة الحجم في عملية من أعلى إلى أسفل، وفي المقابل يمكن أن تكون المادة المظلمة الباردة متكتلة فيحجم مجرة أو أقل، وستشكل المجرات الأولى وستشكل المجموعات كاندماج المجرات في عناقيد وتجمع إلى بعضها البعض في عملية من أسفل إلى أعلى.

ومؤخرً نشر مجموعة من العلماء بحثًا مفاده أنَّه يمكن الكشف عن طبيعة المادة المظلمة بنفس التقنيات المستخدمة في الكشف عن الموجات الثقالية. وتوضح الحسابات وجود أنواع معينة من المادة المظلمة يمكن أن تُشكّل سُحب عملاقة حول الثقوب السوداء، وإذا وجدت الجسيمات الخفيفة في الطبيعة فإنَّ الثقوب السوداء سريعة المغزل تؤدي إلى نمو هذه الجسيمات المكثفة على حساب طاقتها الدورانية وإنتاج سحابة تدور حول الثقب الأسود. والآن بإبطاء الحركة المغزلية أكثر تنبعث الموجات الثقالية كمنارة عملاقة في السماء، وأحد الاحتمالات هو أنَّ المادة المظلمة تتكون من حقول قياسية مماثلة لبوزون هيجز ولكن أخف بكثير من النيوترونات، وهذا النوع من المادة المظلمة يصعب دراسته في مسرعات الجسيمات مثل مصادم الهادرونات الكبير في سيرن، ولكن يمكن أن يكون في متناول أجهزة الكشف عن الموجات الثقالية وبذلك يكون قد تمَّ فتح نافذة جديدة لمشاهدة الكون من منظورات مختلفة والتعرف على حقيقة تركيب المكوّن السرّي له، فهل سيتمكن الفيزيائيون من ذلك؟

بطريقة أو بأخرى فإنَّ العديد من الفيزيائيين وعلماء الفلك متفائلون بأن الأدلة المادية على وجود جزيئات المادة المظلمة سوف تظهر بوفرة في السنوات القليلة القادمة، وإن لم يحدث فإنَّ المجتمع الفيزيائي سيواجه غموضًا أكبر بكثير مما يواجهون الآن.

 

إعداد: آية غانم

مراجعة: محمد المصري

المصادر:

عن آية غانم

2 تعليقان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عوالم قزمة

هل سمعت من قبل عن الكواكب القزمية؟ ربما قد تكون سمعت عنها ...