الباحثون المصريون

أرضٌ جديدة

في أغسطس من عام 2016، أعلن المرصد الجنوبي الأوروبي (ESO) عن اكتشاف كوكب أرضي (أي صخري) خارج المجموعة الشمسية ويدور في النطاق الصالح للحياة القريب من نظام نجم بروكسيما سينتوري (Proxima Centauri)، والذي يبعد عن الأرض حوالي 4.25 سنة ضوئية. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الأخبار تُقابل بحفاوة بالغة وإثارة كبيرة. وجاء ذلك بعد حوالي ستة أشهر من إعلان نظام الكواكب السبعة التي تدور حول نجم ترابيست-1 (TRAPPIST-1) القريب والمُتوقع وجود حياة عليها.

والجميل في الأمر أن المرصد الجنوبي الأوروبي أعلن عن إمكانية وجود كوكب من المُحتمل وجود حياة عليه في النطاق الشمسي المجاور مثل كوكب بروكسيما بي (Proxima­-b) ويُعرف هذا الكوكب الخارج بـ “روس 128 بي-Ross 128 b” وهو قريب نسيبًا من نظامنا الشسمي -يبعد حوالي 10.8 سنة ضوئية-، ويُعتقد أنه كوكب ذو مناخ معتدل، ولكن وعلى رأس كل هذا فإن ذلك الكوكب يدور حول نجم هادئ يُعرف بـ “روس 128_Ross 128 b” وهو من نوع الأقزام الحمراء (Red Dwarf Stars) وهو ما يعني إمكانية العيش عليه.

وقد صدر مؤخرًا عن (ESO) العلمية الخاصة بهذا الاكتشاف تحت عنوان «أرض خارجية حول نجم قزم هادئ على بعد 3.4 فرسخ فلكي»، وقاد فريق الاكتشاف زافيير بونفيس (Xavier Bonfis) من جامعة غرينول الفرنسية، وضم الفريق أعضاء من مرصد جنيف، والمجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية، وجامعة لوينس أيرس وجامعة لاغونا، ومعهد الفيزياء الفلكية في كانارياس وجامعة بورتو.

وقد تم الاكتشاف باستخدام أداة البحث عن الكواكب عالية الدقة وسريعة الإشعاع “هاربس” الموجودة في مرصد “لا سيلا” في تشيلي. ويعتمد هذا المرصد غلى قياسات الانزياح لظاهرة دوبلر (Doppler`s Effect) لتحديد ما إذا كانت تتحرك قريبًا أو بعيدًا عنا، وهذا دليل على أن لديه نظام من الكواكب. وباستخدام بيانات هاربس قرر الفريق أن الكوكب روس 128 بي يدور حول نجم من نوع القزم الأحمر على مسافة حوالي 0.05 وحدة فلكية وفترة دوران حوالي 9.9 يوم.

وعلى الرغم من قرب الكوكب من نجمه المضيف إلا أنه يتعرض لإشعاع يقدر لـ 1.38 مرة إشعاع الأرض. ويرجع ذلك إلى الطبيعة الباردة والخافتة للنجوم من النوع القزم الأحمر مثل النجم روس 128، حيث تكون درجة حرارة سطحه تقريبًا نصف درجة حرارة سطح الشمس. وقدر فريق الاكتشاف أن درجة حرارة الكوكب روس 128 بي تتراوح من 20 إلى 60 درجة مئوية أي قريبة من مثيلتها هنا على الأرض.

وكما ذكرت نيكولا استوديللو (Nicola Austudillo) – وهي من مرصد جينيف- المؤلف المشارك في الورقة العلمية المُشار إليها في بيان صحفي لـ (ESO):

«يستند هذا الاكتشاف على عقد من المراقبة المُكثفة على أحدث تقنيات اختزال وتحليل البيانات، وقد أظهرت “هاربس” فقط مثل هذه الدقة ولذلك تظل أفضل صائد كواكب من نوعها بعد 15 عام من بدء العمليات».

ولكن الأكثر تشجيعًا هو حقيقة أن روس 128 هو أهدأ نجم قريب لنا، بالمقارنة مع الأنواع الأخرى للنجوم  وهو أيضًا موطن لكوكب خارجي يعتقد إمكانية السكن عليه. وينتمي الكوكب إلى النوع إم (M-type) من الأقزام الحمراء والتي تكون منخفضة بشكل خاص في الكتلة وباهتة وباردة نسبيًا، وهي أيضًا من النوع الأكثر شيوعًا في الكون حيث تُمثل حوالي 70% من النجوم في المجرات الحلزونية، وأكثر من 90% من جميع النجوم في المجرات بيضاوية الشكل.

ولسوء الحظ تكون الأقزام الحمراء متغيرة وغير مستقرة، مقارنةً بالأنواع الأخرى من النجوم، مما يعني هذا أنها تتعرض لتقلبات مستمرة في الأحتراقات الداخلية، وبالتالي فإن الكواكب التي تدور حولها ستخضع دوريًا لأشعة مميتة مثل: الأشعة الفوق بنفسجية (Ultraviolet) والأشعة السينية (X-rays).  وعلى النقيض فإن النجم روس 128 هو أكثر هدوئًا وأقل نشاطًا، مما يعني أن الكواكب التي تدور حوله تتعرض لإشعاع أقل بمرور الوقت.

وهذا يعني مقارنة ببروكسيما والكواكب السبعة المكتشفة حديثًا، أن الكوكب روس 128 بي هو أكثر عرضة واحتمالية للحفاظ على الغلاف الجوي ودعم الحياة. وبالنسبة لأولئك الذين يشاركون في عمليات البحث عن الكواكب الخارجية حول النوع M المعروفة بالأقزام الحمراء هم أفضل رهان لإيجاد العوالم الصالحة للحياة، ويؤكد هذا الاكتشاف الصحيح أنهم يسيرون على الطريق الصحيح.

وكما لوحظ أن الأقزام الحمراء هي الأكثر شيوعًا في الكون، وفي السنوات الأخيرة تم العثور على العديد من الكواكب الصخرية- بل وحتى نظم متعددة الكواكب- تدور حول تلك النجوم، وبالإضافة إلى عمرها الطبيعي -والتي يمكن أن تبقى في مرحلة التسلسل الطبيعي لمدة تصل إلى 10 تريليون عام- فإن النجوم من نوع الأقزام الحمراء أصبحت الهدف المنشود لصائدي الكواكب.

في الواقع، دعا قائد الفريق زافيير يونفيس برنامج هاربس بـ«الطريق المختصر إلى السعادة» ولهذا السبب بالذات كما أشار هو وزملاؤه فإنه من الأسهل الكشف عن الكوكب الصخرية الباردة من الأرض حول النجوم الصغيرة من النوم M مما هو عليه حول النجوم المشابهة للشمس.

ومع ذلك ظل الكثيرون في الأوساط العلمية مُتشككين حول احتمالية أن أيًا من هذه الكواكب يمكن أن يكون صالحًا للحياة – نظرًا لطبيعتها المتغيرة- ولكن هذا الاكتشاف الأخير إلى جانب البحوث الأخيرة التي تُشير  إلى أن الكواكب التي تدور حول الأقزام الحمراء تكون قريبة من الغلاف الجوي لها مما يعمل على رفع درجة حرارتهم إلى الحد المُناسب للحياة عليها، وهو مؤشر على إمكانية الحياة عليها وبالتالي قد تكون كل هذه المخاوف مجرد هباءً منثورًا.

ولكون الكوكب روس 128 بي يبعد عنا 11 سنة ضوئية فقط من الأرض ولهذا يُعتير ثاني أقرب كوكب خارجي لشمسنا العزيزة، ومع ذلك فإن الكوكب نفسه يتحرك ببطء متجهًا نحونا، وسوف يصبح أقرب جرم  السماوي لنا بعد 79 سنة. وفي هذه المرحلة سيحل محل كوكب بروكسيما بي (Proxima b) ويصبح أقرب كوكب خارجي للارض.

ولكن بطبيعة الحال لا يزال هناك الكثير الذي ينبغي العثور عليه حول هذا الكوكب المكتشف حديثًا، في حين يعتبر فريق الاكتشاف أن روس 128 بي هو كوكب معتدل على أساس مداره، ويزال من غير المُؤكد ما إذا كان يقع داخل أو خارج أو على أعتاب نطاق الحياة في الفضاء، غير أنه من المتوقع أن تُلقي دراسات إضافية الضوء على هذه المسألة وغيرها من المسائل المتعلقة بهذا العالم المُحتمل أن يكون قابلًا للسكن.

ويتوقع الفلكيون أن يتم اكتشاف المزيد من الكواكب الخارجية خلال السنوات القادمة، وأن المسوحات المستقبلية ستكون قادرة على تحديد الكثير عن أجوائها ومكوناتها وكيميائيتها، ومن المُتوقع أن تلعب أدوات مثل: التلسكوب الفضائي جيمس (JWST) والتلسكوب الكبير جدًا التابع لـ(ESO)  دورًا رئيسيًا.

ليس هذا وفقط بل هناك غيرها من الأدوات التي تساعد في كشف المزيد عن الكواكب الخارجية المُحتمل الحياة عليها، وسوف تُستخدم في تحديد المواد الحيوية الموجودة في أغلقتها الجوية مثل: (الأوكسجين، التيتروجين، وبخار الماء..إلخ) وكما قالت بونفيلس:

«ستلعب المنشآت الجديدة في (ESO) دورًا حاسمًا في بناء تعداد الكواكب الأرضية القابلة للتوصيف، وبالأخص “الباحث عن الكواكب باستخدام الأشعة تحت الحمراء-Near Infrared Planer Searcher” اختصارًا (NIPS)، والذي سوف يُعزز كفاءتنا في مراقبة الأقزام الحمراء التي تنبعث منها معظم الإشعاع من الأشعة تحت الحمراء، وبعد ذلك ستتوفر الفرصة لمراقبة وتوصيف جزء كبير من هذه الكواكب».

وفي هذه المرحلة تتعدى عملية اكتشاف الكواكب الخارجية مرحلة الاستكشاف وتتجه إلى الدخول في عملية التوصيف والدراسة التفصيلية. ومع ذلك فمن الرائع أننا ما زلنا نحقق الاكتشافات الرائدة في مجال الاكتشاف، وفي السنوات القادمة قد ننتقل من البحث عن أرض ثانية إلى نقطة حيث نقوم بالعديد من الدراسات النشطة في آن واحد.

 

ترجمة: أحمد رجب رفعت

مراجعة: آية غانم

مراجعة لُغويَّة: إسراء عادل

المصادر:

إضافة تعليق