الرئيسية / علوم اجتماعية / تاريخ / مدارس تفسير التاريخ : الجزء الأول ” الدين والبطولة “

مدارس تفسير التاريخ : الجزء الأول ” الدين والبطولة “

 

       تكمن مشكلة علم التاريخ أنه كجميع العلوم الإنسانية الأخرى، يفتقر القواعد التجريبية الدقيقة والصارمة التي تحكم دراسة العلوم الطبيعية، بل أن هناك من لا يعد التاريخ وغيره مِن المعارف الإنسانية علومًا من الأساس لعدم انطباق المنهج العلمي التجريبي عليها، وكونها تخضع في الغالب لأهواء الباحث ومعتقداته التي قد تمنع التوصل إلى قاعدةٍ ثابتة ومحايدة بشأن ظاهرة إنسانية معينة.

      يجادل بعض الناس في أن العلوم الطبيعية بحكم أن موضوع دراستها هو الإنسان بطبيعيته المتغيرة، لا يمكن أن تخضع للقواعد المستقرة التي تحكم الفيزياء أو الكمياء مثلًا، بل تُحتِّم أن يتم دراستها وفق منهجٍ يحمل نفس الطبيعة، فتفسير التاريخ هو عملية اجتهادية للمؤرخ يمكن الاختلاف عليها والتعديل فيها. حسنًا! إذا كان الأمر متروكًا لتصور كل فرد فما هي المشكلة إذن؟
تكمن المشكلة في تحول عمل المؤرخ من تسجيل الوقائع وتفسيرها إلى محاولة إخراجها من سياقها الإنساني! فإذا كان التاريخ ظاهرةً إنسانية؛ فمن المنطقي أن تخضع عملية دراسته وتفسيره لمعيار الصواب والخطأ البشري، وتكون قابلة للجرح والتعديل في أشخاصها وأحداثها.

       ترتب على ذلك نشأة مدارس مختلفة عبر الزمن تتناول الظاهرة التاريخية، انطلاقًا من الجوانب التي ترى أنها أكثر أهمية في تفسير الأحداث والوقائع المختلفة.
في هذا الجزء الأول نستعرض مفهوم التاريخ وكيف بدأ كعلم، ثم سنذكر أحد أول  وأهم المدارس التي ظهرت عبر العصور بدءًا بالمدرسة التاريخية ثم الاتجاه البطولي في التفسير.

ما هو التاريخ؟

       التاريخ في اللغة هو التعريف بالوقت، فيكون تعريف الشيء بوقت حدوثه، ويُعرَف عند البعض بإسناده إلى حُدوثِ أمرٍ شائعٍ ومشهور، كسقوطِ دولةٍ أو قيام حربٍ أو غيرَ ذلك. واصطلاحًا، هو جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائنٌ ما، على الفرد أو المجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية، وهو القيام بدراسة تعتمد على حقائق الماضي وتتبُّع سوابق الأحداث، ودراسة ظروف السياقات التاريخية وتفسيرها، فمنهج البحث التاريخي هو مجموعة الطرق والتقنيات التي يتبعها الباحث والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي بكل وقائعه وزواياه، وكما كان عليه زمانه ومكانه تبعًا لذلك، فالمنهج التاريخي يحتاج إلى ثقافة واعية وتتبع دقيق بحركة الزمن التي تؤثر بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة على النص التاريخي، لهذا وجب ارتباط المنهج بمستويات النقد في كل مراحله المُمَثَّلة في التفسير والتأويل والتنقيح والحكم، نظرًا لعنايته الجادة بالنص كرؤيةٍ واقعية ترتبط بالزمن والعصر(1). وقد عَرَّفه (عبد الرحمن بن خلدون) كالتالي: «أنه خبرٌ عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس، والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال»(2).

       يشير الدارسون إلى اختراع الكتابة كنقطةِ بدايةٍ للتاريخ البشري، لأنها اللحظة التي أمكن فيها للإنسان أن يُدوِّن معارفه ويُراكِم خبراته، ومن ثم ينشر ما تعلمه عن طريق الحضارة التي تكونُ هذه المعارف جوهرها. ويُعَد المؤرخ اليوناني القديم (هيروديت – Herodotus) في كتابه «التاريخ» من أوائل من حاولوا إخراج التاريخ من طابعه الأسطوري الذي بناه (هوميرس –Homer (عن طريق وصف أحوال سكان اليونان القديمة وحروبها مع الفرس، وشروحاته للنظم السياسية  في (الدولة المدينة –City-State) السائدة آنذاك في اليونان. تبع معظم المؤرخين بعد ذلك نفس الطريقة في مؤلفاتهم وأشهرهم هو (ثوسيديديس –  Thucydides)، لكن بقيت معظمها تهتم بذكر الملوك والحروب التي تخوضها البلدان، بينما كان هناك اهتمام ضئيل بوصف أحوال العامة إلا بشكلٍ عارض. غير أن علم التاريخ بمفهومه الحديث هو نتاج الفكر الأوروبي في عصر النهضة، والذي أعطى أهميةً خاصة لتقنين المعارف الإنسانية ضمن إطارٍ خاصٍّ بها يشبه ذاك الخاص بالعلوم الطبيعية(3).

المدارس التاريخية.. من التدوين إلى التفسير!

        يرجع أصل «فلسفة التأريخ» إلى رغبة الإنسان في فهم ماذا حدث، وكيف حدث، وأسبابه. إذن فهو الخوف من الجهل الذي قد يؤدي إلى الدمار ما قد دفع الإنسان لفهم الحوادث ومسبباتها. وابتداءً يجب التفريق بين التعليل والتفسير؛ فالتعليل هو ذكر سبب الواقعة أو الموضوع المحدد، أما التفسير فهو امتلاك رؤية لفهم مسار حركة التاريخ، والقوانين التي تُسيِّره، واستنباط الحقائق الكلية التي تحدد مساره(4). وكما أسلفنا؛ فإنه إذا كان الهدف من عملية التفسير واحد فإن الطرق التي تتبع هذا الهدف تختلف باختلاف البشر، وباختلاف الزمان والمكان، ومن الطبيعي أن بعضها قد حظي بالقبول والانتشار حتى الآن بينما اندثر البعض الآخر. هذه الطرق أو المذاهب هي ما سنتعرض له الآن.

أولًا: الاتجاه الديني في تفسير التاريخ

      نظرية التفسير الديني أو اللاهوتي أو مذهب العناية أو المشيئة الإلهية؛ وتقوم تلك النظرية على أساس الاعتقاد بأن هناك قوى محركة لجميع الأحداث والأعمال البشرية؛ هذه القوة تمثلها «الإرادة الإلهية»، وهذه القوة تفرض سلطانها على البشر وجميع أعمالهم على نحوٍ معين، وتقودها تجاه مصيرٍ محدد ومحتوم بشكلٍ لا يمكن الخروج عليه أو تعديله. ويمكن رؤية ذلك في ملحمتي «الإلياذة و الأوديسة» اللتان تؤرخان لحدثٍ يعتقد كثير من المؤرخين وقوعه بالفعل، وهو حصار طروادة، حيث صاغ هوميروس ملحمته في شكلٍ شعري، وجعل الآلهةَ الإغريقية المُحرِّك الرئيسي للأحداث وسبب الحرب وخاتمتها الشهيرة.
وفي الديانات الإبراهيمية  نجد أن (اليهودية-المسيحية -Judeo-Christian ) تعتمد فكرة شعب الله المختار، وأن الإله يتدخل في وقائع التاريخ ليضمن عودة شعبه إلى الأرض الموعودة(5)، ومن أبرز ممثليه في اليهودية (فيلون السكندري – .( Philo.
ونجد القديس (أوغسطين –Augustinus) قد ربط أحداث الأرض بإرادة الرب التي تحكم العالم وتسيره، وأن الرب قد قسَّم البشر إلى فئتين مؤمنة تعبد الرب في مدينه الإله وكافرة تعبد الشيطان (6)، مصيرهما هو التصارع حتى نهاية الأيام. وكذا ابن خلدون المسلم، والذي ربط فكرته دورة الجيل الخاصة بصعود وانحدار الدول بفكرة السنن الكونية لله.

     كان هذا الاتجاه ظرفًا طبيعيًّا في العصور القديمة، حيث كان الحكام أو الكهان يشرعون القوانين ويطبقون الأحكام على أساس أنها مستمدة من التشريع الإلهي الكوني، ومن ثم فإن مخالفتها تعني مخالفة إرادة الإله وتستوجب معها العقوبات القاسية والتي قد تصل للموت.

     ولا يؤمن هذا الاتجاه بالمصادفة؛ لأنها تعني الفوضى والعبث خارج التخطيط الإلهي المُحكم. ويتصف هذا المذهب أنه يبني تاريخًا عامًا، أي تاريخًا يبدأ منذ بداية الخليقة وينتهي بنهاية العالم، وكانت هذه أول نظرية كلية تحاول تفسير معناه ومسار وقائعه. ولعل أهم ما يعيب هذا التفسير هو أنه يتجاهل دور البشر في صنع التاريخ. أو يجعله دورًا ثانويًّا، فهو عندما يركز على البشر يجعل محوره الأنبياء والشخصيات الأخرى المذكورين في الكتب المقدسة، كما أن مصادره الأساسية هي مصادر محدودة تقتصر على النصوص المقدسة وتفسيراتها، وحتى هذه التفسيرات غالبًا ما تكون ضيِّقةً لا تخرج عن النطاق العام للنص، وهنا تكمن مشكلة أخرى، وهي صعوبة -أو غالبًا- عدم إمكانية النقد والتحليل فيه، وكان هؤلاء المؤرخون أميل لتصديق الأخبار التي تتفق مع معتقداتهم حتى وإن كانت خرافية أو صعبة التصديق. واستمرت تلك النزعة اللاهوتية في التفسير حتى أواخر القرن الثامن عشر(7)

 

ثانيًا: التفسير البطولي للتاريخ

تقوم نظرية (الاتجاه البطولي في التاريخ – Great Man theory) على أساس فكرة أن التاريخ هو السيرة المشتركة لعظماء الإنسانية، وأن أحداث التاريخ يصنعها ويُحرِّكها أفرادٌ هم أعلى درجةً من باقي البشر، هم الأبطال.

      البطل هو شخصٌ لديه شجاعة استثنائية ونبل أخلاق أو قوة من طراز مختلف، وحين يحارب من أجل أي قضية فإنه يجعلها قضية ذات أبعادٍ حقيقية ويجعل الناس يؤمنون برأيه ويسيرون على نهجه وطريقته. يُعتبر البطل في التاريخ هو النموذج الذي سُجِّلَت لأجله الأحداث بما يتوافق مع سجل المنجزات التي يخلدها هذا الفرد في المجتمع، والذي يعد هو المحرك وأساس أي أزمة أو ثورة أو حرب أو تغير عظيم يؤثر على المجتمع وأفراده، وبذلك فإن هذه التغيرات قد حدثت نتيجةً لظهور هذا الفرد الذي أخذ على عاتقه مهمة الإصلاح والتغيير في المجتمع أو الأمة. ومن أهم منظري هذا الاتجاه في الأزمنة الكلاسيكية (بلوتارك –Plutarch)، وفي العصور الحديثة يأتي على رأسهم كلٌّ من (هربرت سبنسر – Herbert Spencer) و(توماس كارلايل – Thomas Carlyle)، و(فريدريك أدامز ويلز – .( Frederick Adam وجه النقد لهذه النظرية لأنها تعطي مبررًا للانفراد باتخاذ القرارات في الحكم وهو ما قد يؤدي إلى دكتاتورية، كما أنه يتجاهل أن الأفراد عرضة لعوامل اجتماعية ونفسية تؤثر على أفعالهم، كما أنهم محكومون بظروفِ بيئتهم التي قد تدفع بنتائج مختلفة لكل فرد. شهد هذا الاتجاه انتشارًا في القرن التاسع عشر(8).

#الباحثون_المصريون

المصادر

1.  المدخل إلى علم التاريخ – عبد الرحمن عبد الله الشيخ – كتب Google [Internet]. [cited 2017 Jul 7]. Available from: http://sc.egyres.com/uVapK

2.   خلدون ا. المقدمة. E-Kutub Ltd; 1893. 391 p.

3. الحميد صع. تفسير التاريخ [Internet]. دار الكويتية; 1980. Available from: https://books.google.com.eg/books?id=CYbHZwEACAAJ

4. تفسير التاريخ. مرجع سابق

5. الشرقاوي، محمود، التفسير الديني للتاريخ، 163، 1986

6. Figgis JN. The Political Aspects of St. Augustine’s City of God. JazzybeeVerlag; 2017. 93 p.

7. زناتى، علم التاريخ واتجاهات تفسيره اقتراب جديد. مكتبة الأنجلو المصرية; 2007. 195 p.

8. On Heroes, Hero-worship and the Heroic in History – Thomas Carlyle – كتب Google [Internet]. [cited 2017 Jul 7]. Available from: http://sc.egyres.com/v9Xmf

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دُمِّرَت الحضارة العربية في الأندلس بسبب حركة الاسترداد المسيحية .. هل توافق على هذا الرأي ؟! «الجزء الأول»

     بين عامي  91-97هـ / 711- 718م استطاع المسلمون غزو معظم ...