فلسفة

مارتن هيدجر والسؤال عن ماهية الحقيقة (الجزء الأول)

هيدجر والحقيقة
بواسطة محمد ناصف

ما مفهوم الحقيقة؟ وما ماهيتها؟ سؤال عام ومجرد، تضعنا الإجابة عليه في مواجهة مباشرة مع مفهوم الماهية.

وسؤالنا هنا عن ماهية الحقيقة لا يهتم بكون الحقيقة حقيقة التجربة العملية في الحياة أو تدبير الشؤون الاقتصادية أو حقيقة تفكير تقني أو براعة سياسية أو حتى حقيقة تأمل فكرى.
التساؤل حول الماهية معناه أن نبتعد عن كل ذلك فنوجه نظرنا إلى هذا الذي يميز وحده كل «حقيقة» من حيث كونها  كذلك.
إن السؤال عن الماهية بصرف النظر عن هذه الأمور جميعًا يوجه البصر إلى أمر واحد وهو ذلك الذي يميز الحقيقة من حيث هي حقيقة أم لا. ولكن ألا يتوجه بنا السؤال عن الماهية إلى فراغ التعميم الذى يكتم على أنفاس الفكر؟ أليس من شأن المجازفة بمثل هذا السؤال أن تبين أن الفلسفة كلها هاوية لا تقوم على أي أساس؟
إن من واجبات الفكر الذي يتجه إلى الواقع أن يصرف جهده إلى إقامة الحقيقة الواقعية التي تزودنا اليوم بالمعيار الذي نحتكم إليه والسند الذي نعتمد عليه ليحمينا من اختلاط الآراء والظنون.

لقد كانت الحقيقة ولا تزال كلمة سامية ونبيلة؛  فالكل يبحث عن الحقيقة والكلّ ينشد الوصول إليها. أما الفلسفة فكانت سابقة إلى إحاطة الحقيقة بالأسئلة التي ظل الفكر الفلسفي يبحث لها عن إجابة منذ حقب طويلة من الزمن إلى وقتنا الحاضر، سواء كانت هذه الأسئلة لها علاقة بوجود الحقيقة أو بطبيعتها أو بقيمتها، فتساءلت مثلًا: هل الحقيقة ممكنة؟ وبأي معنى؟ وإذا كانت ممكنة ما هي معانيها المختلفة؟ وهل الحقيقة مطلقة أم نسبية؟ موضوعية أم ذاتية؟ وما قيمة الحقيقة؟ ولقد أثارت مشكلة مفهوم الحقيقة كمضمون واحد وثابت بعيدًا عن الحقائق الجزيئية في هذا المجال أو ذاك جدلًا كبيرًا بين الفلاسفة، حيث تعددت تأويلات الفلاسفة لمفهوم الحقيقة واختلفت باختلاف توجهاتهم، لكن وبالرغم من اختلاف نظرة الفلاسفة للحقيقة وتفسيرهم لها، وبالرغم من تعدد المفاهيم التي أعطيت للحقيقة، إلا أننا نلاحظ أن كل الفلاسفة مثل أفلاطون قد تناولوا المسألة من وجهة نظر معرفية، وقد استمرت هذه النظرة للحقيقة إلى حدود الفلسفة المعاصرة التي عرفت ظهور العديد من الفلسفات الإنسانية، أو ما يطلق عليها عادة بفلسفات اللامعقول، والتي ترفض النظر إلى الإنسان على أنه مجرد ذات عارفة وللأشياء على أنها مواضيع للمعرفة، لاسيما الفلسفة الوجودية التي تصر على زحزحة الكوجيتو ونفي العقلانية، وتنظر إلى الإنسان على أنه انفتاح وحرية، وإلى الأشياء على أنها موجودات تكشف عن نفسها بالاهتمام، لتتخذ بذلك مسألة الحقيقة مسارًا آخر بعيدًا عن النظرة المعرفية. ويعد الفيلسوف الألماني «مارتن هيدجر» من أهم الفلاسفة الوجوديين الذين عنوا بمسألة الحقيقة حيث وجه الفيلسوف عدة انتقادات للنظرة التقليدية للحقيقة. حيث أنها محددة بالمعرفة لا تستطيع أن تتجاوز حدودها، وبذلك يمهد هيدجر لتصور جديد للحقيقة، محدثًا بذلك انتقالًا كبيرًا من تناول مسألة الحقيقة في إطار معرفي إلى تناولها في سياق أنطولوجي. لقد انتهى هيدجر إلى أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في تعرضه للحقيقة وتعرضه لنورها، وهذه الحقيقة لا ينظر إليها في علاقتها بالمعرفة بل في علاقتها بالوجود.

وعلى كل حال. وقبل أن نجيب على تساؤلاتنا التي تفرض نفسها دائمًا على ساحة الفكر،وقبل أن نتعرف على تصور مارتن هيدجر للحقيقة كواحد من أعلام الفكر الفلسفي بشكل عام والوجودي بشكل خاص،لابد لنا من أن نعرض نبذة قصيرة عن  مارتن هيدجر.

مارتن هيدجر، من أصل ألماني، وقد ولد في عام (1889) وأتم دراسته في جامعة (فربيورج).

كان من أساتذته  الفيلسوف (هوسرل) مؤسس الفلسفة الظاهرانية أو مذهب الظاهريات الذي كان المنبع الرئيسي للوجودية، في عام (1914) حصل (هيدجر) على شهادة الدكتوراة  في رسالة قدمها بعنوان (نظرية الحكم في النزعات السيكولوجية) وطُبعت على نفقة مطابع الجامعة.

في عام (1916)، قدم رسالة دكتوراة ثانية وهي الرسالة التي أهلّته للقيام بعمليات التدريس عن (نظرية المقولات والمعنى عند دونس إسكوت)، وفي عام (1923) عين أستاذًا للفلسفة في جامعة (ماربرج) وفي هذه الفترة ألف كتابه (الوجود والزمان) وتم نشر الجزء الأول منه في عام (1927)، عين (هيدجر) خلفًا (لهوسرل) أستاذه في نفس الجامعة بتوصية من أستاذه (هوسرل) بعد أن أحيل (هوسرل) إلى التقاعد في عام (1929)، وقد قدم (هيدجر) لأستاذه (هوسرل) بحث تذكاري تقديرًا لجهوده العلمية، واعتزازًا بأستاذيته، اسم البحث (ماهية السبب)، ويعد هذا البحث من الأبحاث القيمة عند (هيدجر) وفي العام (1929) ألف كتاب أسماه (كانت ومشكلة ما بعد الطبيعة) عرض فيه آراء الفيلسوف (كانت) وقد هاجمه أنصار (كانت) ومؤيدوه، وكان (إرنست كاسبر) على رأسهم .

وفي عام (1929) كان يلقي على طلابه في جامعة (فريبورج) محاضراته عن (ما الميتافيزيقا)، وفي عام (1933) اُنتخب مديرا لنفس الجامعة، ومن الجدير بالذكر أن في هذا العام تولى (هتلر) حكم السلطة في ألمانيا، ولكن بعد فترة، أعلن استقالته من الجامعة في عام (1934)، وفي عام (1945) وعند دخول الحلفاء ألمانيا كان موقفًا قد اُتخذ ضده، فتم فصله من الجامعة.

وتعرضت أفكاره إلى هجمات وتشويهات وتحريفات، وإلى إشكاليات في عمليات الفهم، ووجّهت إلى (هيدجر) الكثير من الاتهامات، منها العدمية  والعاطفية الشديدة، واُتهم بأنه  عدو المنطق والعلم والمعرفة، وكانت موجة معارضة لأفكاره أخرى قد اتهمته بالالتواء في الأساليب التعبيرية والغموض الشديد المتقصد  في طريقة العرض لأفكاره، وينتاب أسلوبه سوداوية وهزيمة.
كان (كارناب) على رأس المنتقدين والمشككين، وهو من دعاة (الوضعية المنطقية) وحاول الانتقاص من قدر (هيدجر) واتهمه بأنه مضلل، وأن كل ما كتبه  لا يعدو سوى هذيان فارغ ومفارقات لفظية ، لا تشكل أيّ معنىً جوهريًا، وشن هجمات على  مؤلفات (هيدجر) وعلى كتابه (ما الميتافيزيقا؟) بالذات، واعتبره أسطرًا من التصورات الفارغة العقيمة التي لا معنى لها، ومن الذين تأثر بهم (هيدجر) هو (كيركغارد) الذي يعد أبو الفلسفة الوجودية الحديثة، فكان الاتجاه للوجود عكس (كيركغارد) وهذا ما أكده الباحث الفرنسي، (كوارية) فهو الذي نشر بحثًا في مجلة (نقد) باللغة الفرنسية للحديث عن وجودية (هيدجر) المتناقضة مع الوجودية، والخلافات التي نشبت بين (هيدجر) و(سارتر) وهي التي توجت الفصل في رفض (هيدجر) لوجودية (سارتر) في أن وجودية (هيدجر) لا تدور حول إشكاليات الإنسان بل حول (إشكاليات الكينونة والوجود العام).

في نهاية المطاف ركن هيدجر إلى حياة العزلة في بيته الريفي بمدينة فرايبورج بين أحضان الغابة التي أحبها واستلهم منها كثيرًا من تأملاته وخواطره.

حياة خالية من الأحداث الخارقة، وتجربة الفكر نفسه في صراعه مع الوجود والحقيقة هي الحدث الوحيد الذي يتخللها ويحدد ملامحها ويوضح تأثيرها بل ثورتها التي غيرت خريطة التفكير الفلسفي في القرن العشرين. ومحاولاته  الدائبة لاستكشاف التراث الغربي والحوار المستمر معه والإنصات من جديد لنداء الوجود الذى انبعث من نصوص فلاسفة الإغريق، ولا يزال يهيب بنا أن ننتبه إليه ولا ننساه في زمن المحنة الذي نعيش فيه.

 

الجزء الثاني من هنا

 

إعداد: محمد ناصف

مراجعة علمية: عماد السعيد

مراجعة لغوية: شريف قمر

 

المصادر:
نداء الحقيقه ( مارتن هيدجر )،ترجمة دكتور عبد الغفّار مكاوي.

مفهوم الحقيقه عند مارتن هيدجر،رسالة ماجستير حياة الخلفاوي.

الوجود والموجود، دكتور جمال محمد أحمد سليمان.

#الباحثون_المصريون

عن الكاتب

محمد ناصف