سيكولوجي

قوة الذاكرة الجمعية

قوة الذاكرة الجمعية

قوة الذاكرة الجمعية

الصين و«قرن المذلة»:

يتذكر شعب الصين فترة ما بين (1849)م إلى (1949)م على أنَّها «قرن المذلة». فقد كانت فترة مضطربة، مرَّت فيها الصين بحرب الأفيون الأولى (التي هُزمت فيها على يد بريطانيا)، وبهزائم أخرى كثيرة ومعاهدات غير مُنصِفة للصين نتج عنها خضوعها لليابان وفرنسا وإنجلترا.

رغم إعلان نهاية ذلك القرن منذ عام (1949)م بإعلان إقامة جمهورية الصين الشعبية، إلَّا أنَّ الصينيين مازالوا يذكرون لدغة تلك الأيام، ومازالوا يُؤوِّلُون العديد من الأحداث المعاصرة عبر ربطها بتلك الفترة. فعلى سبيل المثال، في عام (1999)م أثناء ضرب حلف شمال الأطلسي لبلغراد كجزء من الحرب في يوغوسلافيا (سابقًا)، ضربت القنابل الذكية الخاصة بالولايات المتحدة سفارة جمهورية الصين، مما تسبب في مقتل ثلاثة مراسلين. استشاط القادة الصينيون غضبًا، واصفين ما حدث على أنَّه «سلوك بربري» و«خرق لاتفاقية جنيف». وقام الشعب الصيني بمسيرات ومظاهرات عارمة ضد الولايات المتحدة، التي ادعت أنَّ القصف كان حادثًا ارتكبته وكالة المخابرات الأمريكية، واعتذر الرئيس كلينتون عن الحادث. بالنسبة للطرف الصيني، اعتُبر القصف تذكيرًا لاذعًا بقرن المذلة، والذي وافق رؤيتهم السياسية للعالم على أنَّه مُهَيمن عليه من قبل الغرب. حتى أنَّ صديقًا زار الصين منذ فترة قريبة وكان يجادلهم بأنَّ القصف كان مجرد حادث، فنظر إليه مضيفوه بشفقة، قائلين: «من غير المعقول أنَّك تصدق هذا». فقد رأوه كأمريكي آخر مخدوع بما تدعيه الحكومة.

الذاكرة الجمعية لدى الشعوب:

تُشير الذاكرة الجمعية إلى كيفية تذكر الجماعات لماضيهم. فالصينيون يتذكرون قرن المذلة، بينما يتذكر الأمريكيون أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما لحقها من أحداث، وشعوب كثيرة تتذكر حقبة الحرب العالمية الثانية.

الذكريات الجمعية قد تحدث أيضًا على العديد من المستويات المحليَّة. فالعائلات تتذكر تاريخها أو حدثًا بارزًا في تاريخها (إجازة في مكان بعيد على سبيل المثال). كلٌ منا لديه ذكريات جمعية لأي مجموعة اجتماعية هامة ينتمي إليها. تلك الذكريات الجمعية قد تكون حقائق أو تأويلات، كما هو الأمر في ذكرى قصف السفارة.

لِفهم ذكريات بلد ما، فلابد من تناول وإدراك جزءًا أساسيًا من هويتهم الوطنية وآفاقهم. بالطبع ليست الدول هي من تملك الذكريات بل شعبها، ولكن عادةً تكون هناك مواضيع عامة ومشتركة.

حين طُلب من الأمريكيين تذكر الحرب العالمية الثانية، تذكروا الكثير من الأحداث، ولكن غالبيتهم تذكروا الهجوم على ميناء بيرل(Perl Harper)، ويوم الإنزال في نورماندي، وتفجيرات هيروشيما وناغازاكي. وحين سُئِلَ الروس عن الأحداث المفصلية في الحرب العالمية الثانية، أجابوا في الأغلب بأحداث مختلفة تمامًا، كمعركة ستالينغراد(Battle of Stalingrad)، حيث قُتل وأُسر نحو مليوني جندي حين صدَّ السوفييت هجوم الألمان، ومعركة كورسك(Battle of Kursk)، أكبر معركة دبابات في التاريخ والتي سجل فيها السوفييت نصرًا ساحقًا لأنفسهم. حتى أنَّ الروس لا يلقبونها بالحرب العالمية الثانية، بل بالحرب الوطنية العظمي.

من الممكن أيضًا أن تتغير الذكريات الجمعية للشعوب عبر الأجيال؛ في دراسة أخيرة تبيَّن أنَّ فئتي الشباب وكبار السن من الأمريكيين يُصنِفون القصف الأمريكي لليابان على أنَّها حدث فارق في الحرب العالمية الثانية؛ ولكن هؤلاء من عايشوا الحرب العالمية الثانية قيَّموها بشكل إيجابي فقد أنهت القنابل الحرب وقامت بالقصاص لأمريكا، بينما الأصغر سنًا يقيِّمونها بشكل سلبي فقد قتلت وجرحت القنابل آلاف المدنيين، وكان من الممكن أن تنتهي الحرب دون الاضطرار لذلك. وحين زار الرئيس أوباما هيروشيما مؤخرًا، بلغت وكالات الأنباء الأمريكية عن تغيُّر في الآراء حول التفجيرات عبر السنين. ونستنتج من ذلك أنَّ الذكريات الوطنية الجمعية ليست ثابتة، بل تتغير بمرور الزمن.

التذكر الجمعي يتضمن أيضًا نسيان جمعي، حتى أنَّ هناك دراسة تدعم ذلك الرأي في سياق معين وهو كيف نُسي الرؤساء بسرعة؛ فافتراضيًا، يستطيع كل أمريكي أن يسمي اسم الرئيس الحالي، وحين يود أطباء علم الأعصاب التأكد من إصابة المريض بسكتة دماغية أو ارتجاج في المخ، يسألوه على الفور عن اسم الرئيس الحالي للبلاد. لأنَّنا نستطيع الافتراض أنَّ الرئيس الحالي معروف بنسبة(100%) للسكان، وحينها من الممكن قياس مدى تذكر الرئيس السابق.

اختُبر طلاب الجامعات الأمريكية على قدرتهم على استرجاع رؤساء الولايات المتحدة على مدار أجيال مختلفة من الطلاب في أعوام (1974)م و(1991)م و(2009)م. طُلب منهم ببساطة أن يذكروا أكبر عدد ممكن من الرؤساء خلال خمس دقائق (دون أي مساعدات) وترتيبهم زمنيًا إن أمكن. وبسبب الفترة الزمنية فيما بين القياسات، فقد تغيَّر استرجاع الرؤساء الحاليين في (1974)م (رغم أنَّها كانت تقارب المثالية) عبر الزمن. وحين قُرِن بين معدلَّات النسيان لستة رؤساء: أيزنهاور(Dwight D. Eisenhower)، كينيدي(Robert F. Kennedy)، جونسون(Lyndon B. Johnson)، نيكسون(Richard Nixon)، فورد(Gerald Ford) وكارتر(Jimmy Carter)، تبيَّن أنَّ كينيدي الأفضل تذكرًا عبر الزمن، وكان الأمر كذلك بالنسبة لنيكسون مقارنةً بالآخرين. أمَّا أيزنهاور وجونسون، فرغم جهودهما العظيمة المذكورة في التاريخ الأمريكي، فكانوا الأكثر نسيانًا. فعلى سبيل المثال عام (1974)م (97%) من طلبة الجامعات استطاعوا استرجاع اسم جونسون كرئيس، ولكن عام (1991)م هبط معدل استرجاع اسمه لـ(71%) وعام(2009)م، هوى استرجاعه لـ(42%) فقط.

على الناحية الأخرى، ربما يتذكر الأمريكيون رؤسائهم، ولكنَّهم لا يتذكرونهم في اختبار استرجاع لمدة خمس دقائق. لاختبار تلك الفرضية، اختُبِر عدد كبير من رواد الإنترنت لاسترجاع أسماء الرؤساء، حيث كان أمام من يُجرى عليهم الاختبار(123) اسمًا في نفس الوقت، من ضمنهم(41) رئيسًا، وقد تضمَّنت القائمة الاسم الأول والأخير لكل رئيس، مثل زاكري تايلور(Zachary Taylor)، ونوَّاب رؤساء لم يصبحوا رؤساء مثل ليفي مورتون(Levi Morton)، وأخيرًا أسماء أخرى بدت وكأنَّها مقبولة توماس مور(Thomas Moore) لإكمال القائمة. حكم المشاركون على كل اسم إمَّا على أنَّه رئيس أو غير رئيس، مع إعطاء نسبة لمدى ثقتهم في الاختيار على مقياس متدرج، ورغم أنَّ القدرة على الاسترجاع كانت أعلى بكثير مما كانت عليه في الدراسات السابقة، إلا أنَّ بعض الرؤساء قد عُرِفوا بضعف، مثل فرانكلين بيرس (Franklin Pierce) (56%)، ميلارد فيلمور (Millard Fillmore) وبنجامين هاريسون (Benjamin Harrison) كلاهما(65%)، وحتى مع التعرف على هؤلاء الرؤساء، كانت نسبة الثقة في الاختيار منخفضة.

أمَّا الأخطاء التي ارتكبها المشاركون والتي تخص التعرف على أسماء غير الرؤساء كانت أكثر إثارةً للذهن؛ فقد فوجئ الدارسون بأنَّ المشاركين قد عَرَّفوا خطأً ألكسندر هاملتون(Alexander Hamilton) على أنَّه رئيس مع نسبة عالية من الثقة. وقد حدث ذلك الاختبار قبل مسرحية هاملتون الموسيقية في برودواي (Broadway) وأيضًا قبل إعلان قرار إزالة صورته من على عملة العشرة دولارات (الذي أُلغي فيما بعد). كما اعتُبر بنجامين فرانكلين(Benjamin Franklin) وهوبارت همفري(Hubert Humphrey) رؤساء خطأً (39%) من الوقت، وكذلك جون كالهون(John Calhoun) في (37%) من المرات. تلك الأخطاء قد تحدث بسبب معرفة المشاركين بالاسم دون معرفة دوره التاريخي بدقة -أنا أتذكر الاسم جيدًا من كتاب التاريخ، إذن فلابد أنَّه كان رئيسًا-.

مجال الذاكرة الجمعية مجال مزدهر وآخذ في الانتشار، مجال قد يُستخدم لفهم الناس في مجموعات بشرية، ما إذا كانت أمة أو حزب سياسي أو أي مجموعة اجتماعية أخرى. وفي بعض الحالات، قد نستطيع أيضًا قياس مدى تلاشي الذاكرة الجمعية، كما حدث مع دراسة الرؤساء. تلك النتائج تبين مدى تلاشي الشهرة وتبين وسائل لقياس انحدارها. فذكرى أشهر شخصية في البلاد لعدة سنوات ستذهب لدرك النسيان عبر الزمن. ووفقًا لمعطيات الدراسة، فقد قُدِّر أنَّ ليندون جونسون(Lyndon Johnson) سيكون بنفس شهرة جيمس بولك(James Polk) عام (2054)م.

 

ترجمة: هشام كامل

مراجعة وتصميم: أمنية أحمد عبد العليم

تحرير: يُمنى أكرم

المصدر: http://sc.egyres.com/UaNcg

#الباحثون_المصريون