1. مقدمة المعد

ترتبط الرياضيات عند الكثير منا بذكريات من الصعوبة والتعقيد وعدم الفهم. ويذهب بعضنا أحيانا إلى الادعاء بعدم جدوى الرياضيات بسبب عدم استخدامنا ما تعلمناه فيها من قوانين وعلاقات كمية في حياتنا اليومية أو العملية. فنسمع مثلا تساؤلات عن جدوى معرفة الصيغة المثلثية لقانون فيثاغورس.

cos^2(x)+sin^2(x)=1

أو جدوى معرفة أن مجموع زوايا المثلث على سطح مستو هي 180 درجة، أو حتى قاعدة تربيع ثنائية الحدود البسيطة .

(a+b)^2=a^2 +2ab+b^2

نلقي الضوء في هذا المقال على المدارسة الأساسية للرياضيات كما يراها فلاسفة هذا الفرع من المعرفة.

  1. الرياضيات عند ممارسيها

كثير من المتعلمين، خاصة العلماء والمهندسين، يتصورون الرياضيات أقرب لشجرة من المعرفة، قوانين ونظريات ونتائج تتدلى كفواكه ناضجة وجاهزة للحصاد من قبل العلماء كي تغذي نظرياتهم العلمية. على العكس من ذلك، يرى الرياضياتيون مجالهم كغابة مطيرة سريعة النمو، تغذيها وتشكلها قوى خارجية، تسهم في نفس الآن في الحضارة البشرية إسهاما ملحوظا. نتجت تلك الفجوة الكبيرة بين المنظورين بسبب صعوبة اللغة المجردة التي تفصل غابة الرياضيات المطيرة والوعرة عن المجال العادي للنشاط الإنساني.

تؤثر المفاهيم المختلفة عن الرياضيات على طريقة تناول كل من المدرسين والرياضياتيين لتدريس وتطوير المجال. فالبعض يرى الرياضيات كهيكل ساكن من المعرفة المجردة. بينما يرى البعض الآخر الرياضيات كمجال دائم التغير بسبب الاكتشافات العلمية الناتجة عن التجربة والتطبيق. وفيما يلي نبذة عن تاريخ تلك الفجوة.

  1. نبذة تاريخية

دراسة طبيعة الرياضيات ترجع لأعوام ما قبل الميلاد. فقد كان أفلاطون ينظر لموضوع دراسة الرياضيات على أن له وجود مستقل بذاته، غير محسوس، في العالم الخارجي ما وراء العقل. وبهذا، فقد ميز أفلاطون بوضوح ما بين الأفكار العقلية وبين تمثيلها المدرك عن طريق الحواس في العالم الملموس. وهو ما جعل أفلاطون يفصل بين الحساب والمحاسبة، علي سبيل المثال. أما أرسطو، فقد اعتبر الرياضيات كواحدة من الأنواع الثلاثة للمعرفة: الطبيعية، الرياضياتية واللاهوتية. وعلى النقيض من أستاذه أفلاطون، فقد عزز أرسطو الأصول الحسية للرياضيات. فالرياضيات بالنسبة لأرسطو ليست نتاج لأفكار مستقلة، وغير محسوسة، موجودة في العالم الخارجي، بل هي منتج معرفي مصادره التجربة، والملاحظة والتجريد العقلي. يري أرسطو أن الفكرة الرياضياتية هي بناء مثالي idealized لمعرفتنا الحسية عن طريق الملاحظة والتجربة.

في العصور الوسطى وقت ازدهار الحضارة الإسلامية، عرفت أعمال أرسطو عن طريق إسهاماته في تطوير المنطق. ومن المثير أن المنطق الأرسطي استخدم ضد فكرته الأساسية في ربط الرياضيات بأصولها الحسية. وقد مهدت هذه المدرسة الفكرية الطريق لديكارت في بداية عصر النهضة كي تأخذ الرياضيات شكلا أقرب للأفلاطوني ببناء معرفتها من مسلمات متفق عليها. وقد شدد ديكارت على أهمية الفصل ما بين المسلمات والمعرفة الحسية، إذ أن هذا الربط قد يضلل الرياضياتي ويؤثر على جودة المعرفة الرياضياتية وعموميتها.

تميزت بعد ذلك حقبة القرنين السابع عشر والثامن عشر بصراع قوي ما بين المدرستين الحسية الأرسطية والمدرسة العقلية كما عند افلاطون وديكارت. وقد حاول إمانويل كانت ربط مسلمات الهندسة الإقليدية بالمحسوسات عند إقراره بأن كل تلك المسلمات حقائق وأن الفراغ طبيعته إقليدية بالضرورة. وقد تعارض ذلك لاحقا مع تطور الهندسة غير الإقليدية في القرن التاسع عشر واستخدام آينشتاين لفراغ غير إقليدي كي يمثل الزمكان في نسبيته العامة في أوائل القرن العشرين. بالفعل، فقد كان إثبات الاتساق المنطقي للهندسة غير الإقليدية هو المحرر الرئيسي للرياضيات من روابطها بمجموعة وحيدة من المسلمات؛ مسلمات الهندسة الإقليدية التي اعتبرها العلماء والفلاسفة لقرون طويلة كأساس الحقيقة الحسية. لقد أظهرت الهندسة غير الإقليدية قدرة العقل البشري على الإتيان بهياكل رياضياتية محكمة بعيدا عن قيود عالم خارجي متحكم. وكان أبلغ الأثر لاكتشاف الهندسة غير الإقليدية هو خلق معنى جديد لمفهوم الحقيقة المنطقية: تلك التي تستنتج من مجموعة مسلمات تعرف نموذجا لظاهرة بحثية ما.

  1. حقبة المدارس المنطقية الكبرى

شأنها شأن الفيزياء، تميزت رياضيات القرن العشرين بتنوع وثورية مدارسها. تبنت في بادئ الأمر اتجاها تحرريا كما حدث في منهج الهندسة غير الإقليدية، لكن سرعان ما قابل عقبات كبيرة بسبب عدم الاتساق المنطقي inconsistency أو عدم الاكتمال incompleteness. وما لبث أن أسفر ذلك عن ثلاثة مدارس مؤسسة لرياضيات القرن العشرين: المنطقانية، الحدسية والشكلية.

المدرسة المنطقانية logicism تعد امتدادا للأفلاطونية، أسسها جوتلب فريجي، وترى أن الرياضيات يمكن استنتاجها كلية من قواعد المنطق، وفقط المنطق، أي أن الرياضيات يمكن إثبات تناسقها المنطقي فقط من شكل القوانين، دون الحاجة لنسبتها إلي مضمون معين. وكان الإسهام الأكبر لهذه المدرسة هو كتاب راسل ووايتهد الشهير Principia Mathematica الذي فشل في عدة نقاط منها إثبات وجود الما لا نهاية، وكذلك بعض المتناقضات كمتناقضة راسل (الحلاق) الشهيرة.

المدرسة الحدسية intuitionistic، أسسها براور، وتأخذ موقفا مقابلا للمدرسة المنطقانية في كونها تتقبل فقط النظريات التي يبنيها العقل من مكونات أولية. فمن وجهة نظر الحدسيين، لا يمكن إثبات صحة نظرية ما بإثبات أن عكسها غير صحيح. بل إن الطريقة المقبولة لإثبات صحة نظرية ما هي إلا بناءconstruction تلك النظرية من مفاهيم أولية. ومن ضمن المفاهيم الأولية التي تقبلها أعضاء المدرسة الحدسية هي مجموعة الأعداد الصحيحة، وما بني على أساسها من نظريات بناء مقبولا. كان الهدف الأساسي من هذا التناول المحافظ للرياضيات هو تفادي المتناقضات التي وقع فيها المنطقانيون. ولكن كان للحدسيين قصور كبير في عدم قدرتهم إثبات نظريات رياضياتية كلاسيكية كثيرة، خاصة فيما يتعلق بالأعداد الحقيقية، ويتفق معظم الرياضياتيين عليها. وذلك على الرغم من اعتبار الحدسيين أن المنطق الحدسي هو جزء من الرياضيات، علي عكس المنطقانيين. وبهذا فقد صنفت المدرسة الحدسية كفرع ينتهج نهج مدرسة أرسطو، ولكن أكثر محافظة.

المدرسة الشكلية formalistic تعد تعميما للمنظور التحرري في الهندسة غير الإقليدية، وأسسها هيلبرت. وتعتمد بالأساس على مجموعة من المسلمات، ومجموعة من قواعد الاستنباط لإنتاج النظريات الرياضياتية. ويعد المنطق الشكلي امتدادا للمدرسة الأرسطية، مع السماح ببعض الحرية في تحرير المسلمات، إذ ليس بالضرورة أن تكون المسلمات قابلة للاختبار التجريبي، وليس بالضرورة أن تكون قواعد الاستنباط بنائية في طبيعتها كما تطلب المنطق الحدسي. أي أن المنطق الشكلي يتقبل طرق الإثبات بالتناقض Proof by contradiction. أهم عائق واجه المدرسة الشكلية كان نطريتي عدم الاكتمال لجودل Godel Incompleteness Theorems، واللتان أثبتتا أنه لا يوجد نظام شكلي لنظرية الأعداد الصحيحة متسق ومكتمل في نفس الوقت sound and complete. أي أنه في نظام منطقي متسق، يوجد نظريات صحيحة غير قابلة للإثبات وبالتالي يعد النظام المنطقي غير مكتمل. أو إذا كان النظام المنطقي مكتملا، فإنه يوجد نظريات يمكن إثباتها وإثبات صحة عكسها بنفس النظام المنطقي، أي أنه نظام مكتمل وغير متسق. ويعد نظريات جودل بمثابة النهاية لحلم هيلبرت في بناء منطق شكلي واحد لكل الرياضيات.

المدارس الثلاثة الكبرى التي نشأت في بداية القرن العشرين كي تتعامل مع مشكلة المتناقضات المنطقية، أسهمت في تقدم فهمنا لطبيعة الرياضيات. لكن لم تستطع أي من هذه المدارس أن تؤسس لفهم متكامل وشامل لأساس الرياضيات. ويمكن للقارئ أن يلمس تأثير التيارين الأرسطي والأفلاطوني بقوة في المدارس الثلاثة. فقد ظل موضوع دراسة الرياضيات، سواء كان خارجيا في عالم أفلاطوني، أو مبني من خبرات حسية وملموسة، هو المعضلة التي لم تحلها أي من المدارس الثلاثة.

  1. المنظور المعاصر

لم يستطع أن يصل الفلاسفة حتي الآن إلى مفهوم موحد عن طبيعة الرياضيات. فالرياضياتي عادة ما يشرح نظرياته بناء على خبرات تجريبية كما عند الحدسيين، وعندما يسأل عن التأسيس الأصيل لنظريته، لا يجد أمامه سوى منظور الشكليين كي يبرهن عن نظريته الرياضياتية في الدوريات العلمية. حتي عند التفكير في بناء نظريات جديدة، فإن الرياضياتي لا يلجأ إلى منهج منظم، بل يكون أقرب منه للفنان أو الشاعر عندما يأتي بعمل إبداعي.

بعض المدارس التي ظهرت حديثا في نهاية القرن العشرين تتضمن البنياوية structuralism والاسمانية nominalism. وهي مدارس فلسفية تختص ببنية الأعداد الصحيحة من نظرية المجموعات. وقد توصل برناكمف لمعضلة تتعلق بطريقة بنية الأعداد الصحيحة، وسميت بمعضلة التحديد identification problem واهتم بدراستها الهيكليون.

وقد خلص فلاسفة الرياضيات المعاصرون إلي الوصف الآتي عن المنظور الموحد للرياضيات. إن تطوير وتقبل فلسفة موحدة للرياضيات يحمل معه تحديات للرياضيات وطرق تدريسها. فعلى تلك الفلسفة أن تتطرق لخبرات تساعد الرياضياتي، والمدرس والطالب على التعامل مع إبداعات الرياضيات. يجب أن تتطرق الفلسفة الجديدة لخبرات تسمح “بترييض” mathematization أو نمذجة الأفكار والأحداث. يتطلب تطوير فلسفة جديدة المناقشة والتعبير عن وجهات النظر المتنوعة للرياضيات كي نتبين توصيفا دقيقا، ومقبولا وعمليا لهذا الفرع من المعرفة.

 

إعداد: د.على فرحات

المراجع

  1. http://sc.egyres.com/bnuP3
  2. http://sc.egyres.com/iqr7h

المصدر الرئيسي: Dossey, J, A “On the nature of mathematics: its role and its influence”