الباحثون المصريون

جزيئات الذهب النانومترية العنقودية تكشف التفاصيل الأدق في عمل الكلى

في الآونة الأخيرة، أصبح علم النانوتكنولوجي وتطبيقاته مجالًا متزايد الأهمية على الرغم من وجود العديد من التحديات في مجالات تطبيقه المتعددة.

تطبيقات النانوتكنولوجي فيما يخص الأنظمة البيولوجية

اتسعت تطبيقات النانوتكنولوجي في النظم البيولوجية لتشمل التنظير النانوي، والتجزئة تحت الخلوية، والنقل الخلوي للعقاقير، وأجهزة الاستشعار البيولوجية، وعلاج السرطان، وهندسة الأنسجة، وتطوير الأعضاء الاصطناعية، وتتبع الخلايا، والتصوير الحيوي . على سبيل المثال، يعد التطور في التصوير الجزيئي للخلايا والأنسجة باستخدام تقنيات النانو من الفرص العظيمة للتشخيص بدون تأثيرات جانبية لمختلف الأمراض بما في ذلك السرطان، بالأخص (التصوير البصري النانوي-Nanoscale optical imaging) الذي أصبح سريع التطور في الآونة الأخيرة. والآن هيا بنا لنستعرض أحد هذه التطبيقات بشيء من التفصيل…

 

كيف اُستخدمت جزيئات الذهب النانومترية العنقودية الشكل لتُعمق فهمنا لوظيفة الكلى؟

في دراسة حديثة بجامعة تكساس الأمريكية، كشفت النتائج البحثية كيف تعمل الكلى على تصفية الجزيئات المعدلة هندسيًا ذات الحجم المتناهي في الصغر، الأمر الذي يُسهل تطوير الكشف عن أمراض الكلى والسرطانات، وعلاجها بشكل انتقائي ومستهدف. قام الفريق البحثي، بقيادة الدكتور (جي تشنغ-Jie Zheng)، بتركيب سلسلة من جزيئات الذهب النانومترية والمرتبة بشكل عنقودي باستخدام أعداد محددة من ذرات الذهب، وبالتالي خلق أحجام مختلفة من جزيئات الذهب ومن ثم قاموا بالتحقيق في كيفية قيام الكلى بتخليص الجسم من هذه الجسيمات بأحجامها المختلفة، والتي لا يتعدى حجم كلًا منها 1 نانومتر.

من الجدير بالذكر أن المميز في استخدام هذه الجزيئات بالأخص هو أن عُمر تواجدها بالجسم أطول من الأصباغ الفلورسينية التي قد تُستخدم غالبًا في مثل هذه الدراسات، بالإضافة إلى إمكانية الحصول على جزيئات متفاوتة الحجم من نفس المادة لاختبارها، ووضوح تباينها خلال تصوير الكلى، وكذلك إمكانية استخدامها خلال جراحات الكلى للاستدلال من أجل الاستدلال على الأوعية الدموية بوضوح وتقليل احتمالية إصابتها. أما عن النتائج، أشار تشنغ إلى أن الجسيمات النانومترية الذهبية الأصغر قد تم ترشيحها بشكل أبطأ من الجزيئات التي تزيد عنها بضعة ذرات فقط في الحجم بحوالي 4 إلى 9 مرات، وذلك في مرحلة ترشيح الفضلات الأولى. كما أنه تم تحديد حد لحجم الجزيئات (size cutoff filter) التي يتم فلترتها مقارنة بالجزيئات الأكبر التي يسمح لها بالمرور سريعًا عبر الكلى إلى المثانة، طبقًا لمعدلات نقل الجزيئات المختلفة حسب أحجامها التي تم ملاحظتها في التجربة السابقة (شكل 1).

الأمر الغريب أن هذه النتائج تختلف عما درسناه في كتب علم الوظائف (Physiology)، والتي تشير إلى أن الجسيمات الأصغر يتم التخلص منها بسرعة أكبر من الأكبر حجمًا، ولكن هذه المقارنة تنطبق على التي يزداد حجمها عن 1 نانومتر، وعندما يقل حجم الجسيمات عن ذلك، يتغير هذا القانون تمامًا إلى العكس وهذا مالم يتم دراسته من قبل. هذا المثال يؤكد على أهمية الجزيئات النانومترية في دراسة العمليات الحيوية المختلفة وإعطاء منظورًا جديدًا وأحيانا مفاجيء وغير متوقع ( شكل 2).

شكل (1): رسم توضيحي لتفاوت عبور جسيمات الذهب (Au) النانومترية حسب حجمها.
شكل (2): رسم بياني يوضح العلاقة بين معدل التخلص من جزيئات الذهب النانومترية متناهية الصغر مقارنة بالجزيئات الأكبر حجمًا، وانعكاس القانون في حالة تجاوزمعدل 1 نانومتر.

ركز الباحثون في الدراسة السابقة على (الكبيبة الكلوية-Glomerulus)، وهي شبكة من الشعيرات الدموية التي تشكل وحدة أساسية من نظام الترشيح الكلوي. يحدث ذلك عبر حاجز الترشيح الكبيبي، وهو هيكل متعدد الطبقات يتم من خلاله تصفية بلازما الدم (شكل 3). من خلال مقارنة توزيع الجسيمات النانوية في الكبيبة الكلوية، وجد الباحثون أن هنالك طبقة واحدة على وجه الخصوص تُسمى (Glomerular endothelial glycocalyx)، والتي تقوم بمحاصرة جزيئات الذهب الأصغر حجمًا، وبالتالي تأخير خروجها من الكِلية. أيضًا يوجد نظام مشابه لذلك في جدران الأوعية الدموية، والتي اكتشف الباحثون وجود اتجاهات مماثلة في معدلات الترشيح المشار إليها خلال دراسة وظيفة الكلى.

شكل (3): رسم توضيحي لشكل الكبيبة الكلوية واتجاه ترشيح الدم.

بالإضافة إلى ذلك، وفرت هذه الدراسة رؤى جديدة لتشخيص الأمراض مثل الفشل الكلوي المزمن وتصلب الشرايين، والذي يسببه الرواسب الدهنية داخل جدران الأوعية الدموية.  كذلك تفسح هذه الدراسة المجال لدراسات أخرى فد تساعد في تشخيص السرطان وعلاجه، حيث وجد فريق تشنغ البحثي أن تقليل حجم الجسيمات في نطاق النانومترالأصغر (تحت 1 نانومتر) يمكن أن يكون استراتيجية قيمة لتعزيز القدرة على استهداف الأورم السرطانية.

بالطبع، لايمكننا الاختلاف على أهمية مثل هذه الدراسة ونتائجها في تعميق لترشيح الكلى للفضلات وكيفية استجابتها للجسيمات النانومترية فائقة الصغر، الأمر الذي يساعدنا أيضًا على تطوير العلاجات التي تستهدف أمراض الكلى، وتطبيق ذلك في فهم النظم الحيوية المختلفة، وكذلك علاج السرطان والأمراض المزمنة المختلفة. ولكن في النهاية ماازال من الضروري جدًا أن نتعرف على التحديات التي تواجه مثل هذه التطبيقات وأهمية أخذها في الاعتبار عند تطبيق هذه التقنيات بشكل واقعي.

التحديات التي تواجه تقنية النانو

تتمثل التحديات التي تواجه السلطات التنظيمية والكيميائيين التحليليين المختصين بالعمل في مجال النانوتكنولوجي، في التطبيق الواسع النطاق للمواد النانوية وكون استخدام هذه المواد يُعد سلاحًا ذو حدين. علينا أن ُندرك أن الصفات التي تجعل المواد النانومترية قوية جدًا، مثل صغر حجمها واتساع أسطحها ذات النشاط العالي، تُكسبها أيضًا خطورة على صحة الإنسان والبيئة.

في الحقيقة، تعتمد سُمية هذه المواد النانوية على عدد من العوامل أهمها، التركيب الكيميائي، والشكل، والحجم، والتبلور، وعمر الجسيمات. من أجل ذلك؛ فإنه من المهم جدًا أن نفهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية لكل مادة نانوية ليس فقط من أجل الاستفادة منها في التطبيقات المناسبة، ولكن أيضًا من أجل معرفة كيف يمكن أن تؤثر على صحة الإنسان؟ وكيف يمكن تنظيم ذلك؟. يُحتم ذلك على المختصين دراسة سلوك المواد النانوية في البيئات البيولوجية المعقدة مثل السوائل البيولوجية، و الأنسجة، والأعضاء، من أجل فهم فعالية وسمية الجسيمات النانومترية.

إعداد: هبة عبد الناصر عبد الوهاب

مراجعة: أميرة إسماعيل

المصادر:

 

إضافة تعليق