هندسة معمارية هندسة وتكنولوجيا

تقييم ما بعد الإشغال

تقييم ما بعد التشغييل
بواسطة محمود عوف

تقييم ما بعد الإشغال (post-occupancy evaluation POE)، هو عملية إعادة تغذية البيانات مرة أخرى لعملية التصميم عن كل شيء من استهلاك المياه والطاقة إلى الرضا العام عن المكان وحتى دورات نوم شاغلي الفراغ. وطبقا للمعماريين المهتمين بالاستدامة، فإن “تقييم ما بعد الإشغال” يعتبر متطلب أساسي لغلق الفجوة الكبيرة بين أداء المبنى المتوقع، وأداء المبنى الفعلي. 

“إذا أردنا أن نصمم مبنى عالي الكفاءة يستخدم طاقة قليلة، فحتما يجب أن نكون قادرين على التنبؤ بآثار قراراتنا التصميمية. يجب أن نصل إلى هذه النقطة ” يقوله شون برو، شريك في ((Eskew+Dumez+Ripple)).

الكثير من المعماريين يعرفون أنه من الممارسة الجيدة للتصميم، أن يتم تتبع أدائه، كما ويبدون استعدادًا لمواجهة النتائج، سواء كانت إيجابية أو العكس. إلا أنه يظل “تقييم ما بعد الإشغال” بعيدًا عن الممارسة القياسية. “نحن نضع كل هذه التكنولوجيا والاستراتيجيات في المباني، لكن غالبًا – كمعماريين – لا نستفيد من حلقة إعادة تغذية البيانات – (Feedback Loop)” كما تقول Llana Judah مديرة ومشرفة الاستدامة في (FXFOWLE).

أقر ذلك مؤخرًا استبيان قام به مكتب SOM، حيث قام Julie Hiromoto بجمع الإجابات من 29 مكتبًا أمريكيًا وكنديًا، وأبدى أكثرهم الرغبة في عمل تقييم ما بعد الإشغال. ولكن فقط 18 من الـ 29 قد قاموا فعليًا بتنفيذ هذه العملية. كما قام أغلبهم بتنفيذها على أقل من 5% من المشاريع المكتملة العام الماضي.

هذه الفجوة بين التطلعات والواقع ليست في أمريكا الشمالية وحدها، ففي عام 2012 تبين من التقرير الذي قامت به منظمة (SCI-Network) والتي ركزت على مفهوم تقييم ما بعد الإشغال (POE)، وجدت أن استخدام هذا المفهوم “قليل جدًا”.

على الرغم من هذه الحالات، إلا أن المعماريين الذين يعملون في مجال تقييم ما بعد الإشغال (POE) يقولون إن قيمة ما يعملون به تنال اهتمامًا أكبر في هذه الصناعة، ويرون قدرًا زائدًا من التطور في منحنى ممارسته مع الزبائن، بما في ذلك الأكواد الأكثر صرامة، والالتزام بتقديم تقارير استهلاك الطاقة، وعقود (التصميم – البناء) والتي تربط نسبة من أتعاب فريق المشروع بأداء المشروع بعد شغله.” هناك مسئولية أكبر مما كانت من قبل ” كام تقول Judah. “إن مجتمع الأشخاص المؤمنين بهذا بدأ في الظهور”. كما تقول Janice Barnes التي تقود مجموعة التخطيط الاستراتيجي في (Perkins+Will).

ظهرت بشدة قيمة الحصول على تغذية البيانات من المشاريع من خلال مشروع لمكتب (Eskew+Dumez+Ripple) وصاحبه برو والذي كان الأول من نوعه يحصل على شهادة (LEED).  وهو مبنى “Dr. Nancy Foster Florida Keys Environmental Center“ في فلوريدا متعدد الأغراض ذو ماسحة الـ 30.000 قدمًا مربعًا والذي يقطنه الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي 2006، حيث كان متوقعًا أن يستهلك المبنى 735.000 كيلو وات- ساعة في العام (28% أقل مما ينص عليه معيار ASHRAE)، لكن في أول عامين من تشغيل المبنى ذو الشهادة الفضية، كان المبنى يستهلك تقريبًا ضعف هذه الكمية.

المتهم الرئيسي في ذلك هو إعدادات نظام إدارة المبنى: فبعد شهرين من التشغيل، قام برنامج تحديث النظام بمسح الإعدادات التي تم ضبطها مسبقا. وفشلت محاولات إعادة ضبطها بواسطة المستشارين المحليين في الشركة. ولكن أخيرًا، اقتنع المالك بإحضار الشركة المسئولة لمعالجة المشكلة بعد مرور سنتين وبعد ظهور آثار الرطوبة والعفن على الحوائط. وتم حل المشكلة سريعًا، وتم خفض الطاقة المستهلكة في الحال إلى أقل مما كان متوقعًا في مرحلة التصميم.

من هذه النقطة، أدرك مكتب (Eskew+Dumez+Ripple) ضرورة محاولة تتبع استهلاك الطاقة في جميع مشاريعهم التي تحصل على شهادة (LEED). أرادوا أن يفهموا العوامل التي تؤثر على الأداء والتي تتسبب في زيادة حجم أي مشكلة قد تطرأ كما يقول برو “من الممتع أن يكون لك طفل، لكن لكي ينموا هذا الطفل ويحيى حياة صحية طويلة، هناك الكثير من الرعاية والتغذية يجب أن تحدث”.

تكرار زيارة المشروع هو بمثابة الفهم التام لفعالية الحلول المبتكرة للتصميم، كما يقول إيد كلارك – مشارك في مكتب (ZGF) Architects وهو من الفرق التي تقوم بتتبع جميع المشروعات التي تم تصميمها للحصول على شهادات قياسية كشهادة الـ (LEED). بالنسبة لكلارك، فإن عملية تقييم ما بعد الإشغال هي طريقة للتصدي لما قد يبدو أنه زحف “ساحق” للتعقيد في تصميم المباني. “هي تخلق فرصة لفهم كيفية عمل المشروع التالي بطريقة أفضل” كما يقول كلارك.

وقد أشار كلارك إلى مبنى شركة (ZFG) الحديث (مبنى هندسة وعلوم الجزيئات) في جامعة واشنطن في سياتل، وهو عبارة عن مبنى مركب يحتوي على مكاتب ومعامل تم شغله في 2012. وهو في المرحلة الثانية تحت الإنشاء حاليا. أراد مكتب (ZFG) تغذية عائدة حول خطتهم للتحكم في درجة الحرارة المتقلبة في المبنى ذو التهوية الطبيعية. معظم التبريد يتم في الليل، من خلال تزويد الفراغ بالهواء النقي، ومع وجود بعض المواد متغيرة الحالة Phase Change Materials PCM في بعض الحوائط والتي تقوم بامتصاص الحرارة في النهار.

يقوم مكتب (ZFG) بتتبع المبنى – الحاصل على شهادة (LEED) ذهبية – استهلاكه من الطاقة في المرحلة الأولى. وتم وضع حساسات لقياس البيانات في تجاويف في الحوائط والأسقف المعلقة. كذلك قام مكتب (ZFG) بالاستعانة بمركز البيئة المبنية في جامعة كاليفورنيا بيركلي Center for Built Environment CBE للحصول على استبيان عن راحة الشاغلين.

يلبي المبنى المتطلبات من الحرارة وراحة المستخدمين بشكل مستقر. حيث يقول كلارك متعجبا. أن مستخدمي الفراغ يقولون عن نظام التهوية الطبيعية ” ما أفضل نظام التكييف المستخدم!”. كما يقول: في المرحل الثانية، سوف نستفيد من نظام الـ PCM من خلال وضعه على شكل سُحُب بدلا من توزيعه بشكل منتظم، وكذلك سوف نقوم باستبدال بعض البلاطات الصوتية بألواح مثقوبة.

 

تشير أنيكا لاندرينو Anica Landreneau، مديرة استشارات الاستدامة في مكتب (HOK)، إلى سيناريو مشابه للمتابعة عن قرب للمختبر الجنائي الموحد Consolidated Forensic Laboratory والذي قام فريقها بتصميمه لمقاطعة كولومبيا، والذي حصل على شهادة (LEED) بلاتينية، تم الانتهاء منه في 2012. حيث يعتمد التبريد في المبنى على دعامات مبردة (Shilled Beams). إن استخدام تقييم ما بعد الإشغال يعد وسيلة شديدة الأهمية لاتخاذ هذه الاستراتيجية (الدعامات المبردة) إلى الأمام. “كثيرٌ من العملاء يشككون في كفاءة أداء الدعامات المبردة في هذا المناخ الرطب” تقول لاندرينو.

كان (HOK) يقوم بتتبع بيانات طاقة المبنى، وكان أداء المبنى أفضل مما تم نمذجته. حيث كانت بيانات عملية المحاكاة (simulation) لكثافة استخدام الطاقة (Energy Use Intensity (EUI تشير إلى: 230.5 كيلو وحدة حرارية بريطانية \قدم مربع\سنة. بما يمثل نصف ما قد يستهلكه التصميم التقليدي. ولكن بالرغم من ذلك، فإن آخر بيانات تم الحصول عليها العام الماضي تشير إلى أن المبنى استهلك 165 وحدة فقط!

قام مكتب (HOK) أيضا بعمل استبيان للراحة بعد عشرة شهور من تشغيل المبنى. وأظهر الاستبيان مشكلة غير متوقعة: زيادة الإضاءة النهارية عما يطلبه المستخدمون، على الرغم من أن القراءات المأخوذة بواسطة (HOK) أظهرت درجات إضاءة طبيعية أقل مما ينص عليه بند الـ (LEED). كانت المعامل شديدة التوهج بالنسبة للعاملين الذين تم إعادة توجيههم من معامل تحت الأرض إلى أماكن أخرى، وكان حل المشكلة بتركيب مظللات متحركة يمكن التحكم بها بواسطة المستخدمين.

تعد الاستبيانات التي قام بها مكتب SOM وكذلك تلك الخاصة بـ (ZGF) و(HOK) دليلًا واضحا على أن تقييم ما بعد التشغيل (POE) يشمل نطاق واسع من الأنشطة المتنوعة، وأن المكاتب التي تبنت هذا الاتجاه تتبع مجموعة واسعة من القياسات الفيزيائية والنفسية، حيث يقومون بعمل الحسابات الخاصة بهم، والعمل مع معمل CBE في جامعة كاليفورنيا بيركلي، بعض هذه البيانات تم تجميعها في 8 ساعات، والبعض الآخر استغرق أسابيع وشهور من العمل.

أيًا كانت المدة الزمنية، ومها كان العمل شاملا، القليل فقط من عمليات تقييم ما بعد التشغيل تم تعريفه للعملاء، حيث لم يتم إدراج هذا البند في التعاقد في مشروع (HOK) أو مشروع (ZGF) أو SOM. حيث إن واحداً فقط من كل 18 مكتباً قال إن العملاء يدفعون مقابل إجراء تقييم ما بعد التشغيل.

على الرغم من ذلك، فإن هناك مؤشرا للتغيير، حيث إن 3 من كل 18 مكتباً ذكروا أنه أحياناً كان يتم تعويضهم مقابل إجراء تقييم ما بعد التشغيل أثناء العمل لصالح مؤسسات أو في التصميم الداخلي لمكاتب أو مباني طبية والتي عادة ما يتم توظيف هذا التقييم في زيادة الكفاءة والإنتاجية.

ويذكر رئيس NBBJ كيلي جريفين Kelly Griffin أن أغلب الشركات العملاء يدفعون من أجل عمل تقييم ما بعد الإشغال لزيادة رضا العاملين. حيث إن استبيانات قبل التصميم لمكاتب أظهرت تصميمات من شأنها أن تزيد الحد الأقصى لإنتاجية الموظفين، وتم عمل تقييم ما بعد التشغيل لرصد تأثير هذه التصميمات، ويذكر كيلي جريفين:” المزيد والمزيد من المشروعات تبدأ بتقييم لمنطقة العمل. العملاء يرون أن المباني ليست مجرد أماكن لتكديس الناس بها، وهم يقصدون فعل ذلك جدا”.

أحد معوقات تطبيق هذا الموضوع على نطاق واسع، هو القلق بين مجتمع المعماريين (ومحاميهم) بأن الاهتمام بتقييم ما بعد التشغيل سوف يساء فهمه كضمان ضمني للكفاءة. يقول المعماريون أن هناك اعتراف متزايد أن هذا القلق ينظر إليه بشكل مبالغ به عما هو في الواقع، وان المعماريين والعملاء على استعداد للنقاش المفتوح عن كفاءة أداء المباني.

إن الحاجة المتزايدة لتقارير الطاقة وكفاءة الأداء هو ما سيحتم عمل معيار ثابت لتقييم ما بعد الإشغال (POE). فبداية من 2016 في المملكة المتحدة على سبيل المثال، فإن جميع المشاريع الكبيرة التي ستقام بواسطة الحكومة المركزية يجب أن تلبي متطلبات إطار (من المهد إلى الإشغال Cradle-to-occupation) والذي يسمى بالهبوط السلس “Soft Landings” لضمان أن تسليم المباني يجب أن يؤخذ في الاعتبار منذ مراحل التصميم المبكرة. وللإعداد لذلك، فإن خطة العمل القياسية للمعهد الملكي للمعمارين البريطانيين Royal Institute of British Architects RIBA تتطلب “رصد وتغذية البيانات بعد التسليم post-handover monitoring and feedback”.

أما في أمريكا الشمالية، فإن مبدأ تقييم ما بعد الإشغال يعتبر سمة صريحة لعدد متزايد من المشاريع الصغيرة التي تعطي ضمانات محددة فيما يخص كفاءة المباني والطاقة. فعلى سبيل المثال فإن المبنى الذي تم إنشاؤه بواسطة مكتب (ZGF): مبنى المركز الفيدرالي الجنوبي والذي تم الانتهاء منه في 2012 لصالح إدارة الخدمات العامة الأمريكية، استهدف مجموعة من النقاط لتحقيقها وقد تم ترك المبلغ الـ 5% المتبقيين من الوصول إلى قيمة كثافة استهلاك الطاقة، والمياه والراحة لمدة عام لصالح الفريق المصمم. حيث إن جهود عمليات تقييم ما بعد الإشغال الشاملة تظهر أن نظم التحكم المناخي في التصميم، والبناء حول دعامات مبردة بطريقة سالبة Passive Shilled Beams، واستخدام التهوية الطبيعية قهرت كل التوقعات. حيث إن المشروع كان يستهدف كثافة استهلاك طاقة Energy Use Intensity EUI بمعدل 27.6 والذي يعتبر 4 مرات أفضل من المتوسط لمباني المكاتب. وقد قامت التغذية بواسطة المستخدمين بإمداد بعض المعلومات فيما يخص الإضاءة النهارية في الجزء الشمالي الغربي حيث يكون مظلما في الشتاء.

في هذه الحالة، فإن تقييم ما بعد الإشغال يسلط الضوء على أهمية التفاصيل الدقيقة. حيث يذكر كلارك:” إنها تهتم بتكامل عناصر الفرش والفحص الدقيق لمصادر الإضاءة الطبيعية”. هذه البيانات تم تغذيتها مباشرة إلى فريق (ZGF) أسهمت في تحقيق تصميم عالي الكفاءة لمبنى مكاتب في أوليمبيا Olympia والذي كانت إضاءته الطبيعية تحتوي دمجا بين الواح شفافة وشبه شفافة. أدى ذلك إلى عمل عقد لهذا المبنى يضم محفزات على تحسين كفاءة أداء المبنى لخمس سنوات بعد الإشغال.

يعتقد كلارك أن هذا النموذج سوف يكون شائعاً حيث إن أكواد المباني أصبحت أكثر صرامة، وأن رفع مستوى المسئولية في هذا السياق سيزيد من مستوى صناعة المباني بالكامل. ويؤكد مكتب ((Perkins+Will)) أن الفرق التي تقوم بعمل تقييم ما بعد الإشغال ستكون صاحبة الميزة التنافسية الأكبر في المستقبل، لأنها في أفضل مكانة تؤهلها لإعطاء دلائل موضوعية للادعاءات التصميمة ولكن هذه الميزة سرعان ما ستختفي لأنه سريعا ما سيتم الانتقال بـ “تقييم ما بعد الإشغال” من الممارسة الأفضل إلى الممارسة العادية. حيث إن المقارنة مبنية على ما كانت عليه (LEED) في بادئ الأمر حيث كانت ميزة في بداياتها إلا أنها الآن مجرد الطريقة التي يتم بها العمل الطبيعي. وفي المستقبل القريب، سيكون نفس الأمر مع “تقييم ما بعد الإشغال (POE)”.

المصدر:

1

عن الكاتب

محمود عوف

مهندس معماري، معيد بكلية الهندسة جامعة كفر الشيخ ،باحث في المحاكاة المتقدمة عالية الكفاءة للمباني .