الوحش الغامض في الكون

يبدأ الطريقُ لمعرفةِ حقيقةِ نشأةِ الكون بفَهمِ الطاقة المظلمة، فما هي هذه الطاقة؟ وهل ظَلَّت كما هي طوال تاريخ الكون؟
في حقيقة الأمر أنَّ الطاقةَ المُظلمة أو الطاقة السوداء كما يُطلِق عليها البعض تفوقُ كُلَّ شيءٍ آخر في الوجود، فهي تتحكَّم في مصير الكون، كما أنه لا يُمكن شرحها بالفيزياء المعروفة لدينا.
يُطلق الفيزيائيون اسم الطاقة المظلمة على كُلِّ ما يعبث بالكون ويُعجِّل من التمدد الكوني، سواءً كان مادةً أو قوة خفية أو خاصية للفضاء. على الأرجح أننا مازلنا لا نعلم شيئًا عن هذه الطاقة، الأمر الذي سمح للنظريات بالتضاعف دون ضوابط. ولكن يختبر علماء الفلك مجموعةً رائعة من الأدوات لحلِّ هذه المُعضلة. فتبحث التلسكوبات وأجهزة الكشف عن موجات الراديو أكثر وأكثر في الكون أملًا في إيجادِ بصمةٍ للطاقة المظلمة، وتُنظِّم وكالات الفضاء مهمتين لدراسة مثل هذه الأشياء.
إن أكثر الانفجارات عُنفًا من الممكن أن تمنحنا البصيرةَ لرؤية تأثيراتها الأولية على الكون منذ الأزل. كما بدأ مكتشفو موجات الجاذبية الاستماع إلى هذه الطاقة المظلمة عن طريق سماع صدى الاصطدام بين الثقوب السوداء؛ لذلك من المرجح الأخذ في الحُسبان فرعًا جديدًا من فروع علم الفلك.
لقد عرف العلماء منذ أواخر 1920 أنَّ الكون يتمدد، ولكنَّهم افترضوا أنَّ هذا التمدد يتباطأ ظنًّا منهم أن قوة الجاذبية بين المجرات تعمل كالمكابح. ولكن وجد فريقان سنة 1998 العكس تمامًا، فقد كانا يبحثان عن انفجاراتٍ كاملة من النوع (سوبرنوفا-la supernovae) والتي تحدث عندما يخضع نجمٌ قزمٌ أبيض لتفاعلٍ نووي. السطوع الجوهري لهذا النوع من الانفجارات مرتبطٌ بسرعة تلاشي ضوئه (الأكثر سطوعًا يحترق أسرع). ولذلك يُمكنك معرفة كمية الضوء المُنبعث من الانفجار عن طريق معرفة عدد الأيام التي أخذها هذا النوع ليتلاشى، ثم عن طريق قياس السطوع الظاهري عند الأرض يُمكنك حساب البُعد الحقيقي للسوبرنوفا، وهذا النوع من التحقيق الكوني يُطلق عليه الشمعة القياسية.
كما قام علماء الفلك أيضًا بقياس (الانحياز نحو الأحمر-redshift) للسوبرنوفا، وهو كمية التمدد في الطول الموجي للضوء منذ انبعاثه، الأمر الذي يكشف مدى تمدد الفضاء. يسمح دمج كل هذه الملاحظات لعلماء الفلك بتحديد تمدد الكون عبر الزمن. هكذا اكتشف الفريقان أن سرعة هذا التمدد لا تتباطأ، بل تتسارع، وقد استنتج الفريقان أنَّ هناكَ قوة خفية ما تقاوم تأثير الشد الذي تقوم به الجاذبية.

لغزٌ دائم

هذه الطاقة المعروفة الآن باسم الطاقة المظلمة لطالما أُحيطت بالغموض. فكل ما نعرفه أنَّ هناكَ خاصِّية غريبة تدفعنا للخارج عكس الجاذبية، ما تم اعتباره القوة الكونية المهيمنة. يرغب الآن علماء الفلك في معرفة ما إذا كانت هذه الظاهرة المُبهَمة تتغير عبر الزمان. لقد بدأوا في النظر بتمعُّنٍ أكثر حول كيفية تمدد الكون، بعضًا عبر تنقية استخدام الشمعة القياسية للسوبرنوفا، وبعضًا آخر عن طريق ابتكار أدواتٍ كونية جديدة.
حتى الآن أكثر الأدوات فاعليةً هي تلك التي تعتمد على الموجات الصوتية. فباختصار، امتلأ الكون بمزيجٍ مَرِنٍ من الأيونات والإلكترونات والإشعاع بعد (الانفجار الكبير-the Big Bang). فالشذوذ قليل الكثافة الذي أحدثته التقلبات الكمومية في أول 10-32 ثانية من بدء الحياة هزَّ الجرس الكوني مُرسِلًا موجاتٍ صوتية مُمتدة للخارج. وقد انخفضت درجة حرارة الكون بعد 400,000 سنة بدرجةٍ كافية لتُلتقط الإكترونات الحرة، لأن الذرات الناتجة كانت شفافةً للإشعاع وسانحةً للفوتونات أن تنطلق بِطَنِينٍ عَبْرَها، حتى أصبح الخليطُ غير مرن. ولكن من المعروف أنَّ الصوت يحتاجُ لوسطٍ مرن حتى ينتقل، لذا تعثَّرت الموجات الصوتية الأولى طابعةً نمطًا لا يُمحى على نطاقٍ واسعٍ من هيكل الكون؛ لذلك تميل المجرات ميلًا طفيفًا لأن تكونَ مُتباعدةً على فتراتٍ مُنتظمة بدلًا من أن يتم وضعها في عشوائية، وتأخذ هذه الفترات في النمو بسبب تمدد الكون وتقف اليوم عند 500 مليون سنة ضوئية.

الغموض النَشِط

السؤال الذي يطرح نفسه من الأساس: لماذا فراغ الفضاء يجب أن يكون لهُ طاقة؟
تفترض نظرية المجال الكمي وفرة الجسيمات الافتراضية التي تظهر لفترةٍ وجيزة ثم تختفي، وعلى ما يبدو أنها نظريةٌ صعبة التصديق، لكن هذا هو ما جعل واضعي النظرية يَصِلُون لتكهناتٍ شديدة الدقة عن كيفية تفاعل الجسيمات الاعتيادية. أمَّا عن هذه الجسيمات الافتراضية، فمن الممكن أن تكون هي السر الخفي وراء قوة التنافر للطاقة المظلمة.
إن طاقة الفراغ المطلوبة لإنتاج العجلة الكونية الملحوظة تكون حوالي 1 جول لكل كيلومتر مكعب من الفضاء، فأبسط نسخة من نظرية المجال الكمي تجمع الطاقة لهذه الجسيمات الافتراضية ليصبح المجموع للقيمة أكبر 120 مرة من تلك؛ لذلك يكون من الصعب تجميع هذه الأرقام. طاقة الفراغ الكثيفة هذه من الممكن بكل سهولة أن تُمزِّق كوننا إلى أشلاء، ومن الواضح أن هذا لم يحدث.
حتى الآن الجُسيمات غير المكتشفة تستطيع أن تلغي الطاقة المُزوَّدة من قِبَل الجسيمات المعروفة، فربما فات العلماءَ شيءٌ ما. ولكن على الرغم من بساطة وضع نظرية يكون الناتج فيها صفرًا، إلَّا أنَّه صعبٌ تقريبًا ولكن ليس بالضبط إلغاءُ رقمٍ ضخم ليترك الناتج الصغير المطلوب لطاقة الفراغ. يقول بيرلماتر:« الثابت الكوني هو وحشٌ غريب، فهو يجعل النظرية تبدو غامضةً وغير مُتماثلة».
لذلك على الرغم من بقاء الثابت الكوني المُرشَّح الأوفر حظًا ليكون ما وراء هذه الطاقة المظلمة، انشغل واضعو النظريات بابتكار صورٍ بديلةٍ للطاقة المظلمة. فابتكر بعضٌ نظرياتٍ جديدةٍ للجاذبية المماثلة للنسبية العامة، لكن مُحدثةً تناقضًا على نطاقٍ واسع جدًا. وبعضٌ آخر وضع نظريةً تطرحُ وجودَ مائعٍ ما يملأ الفضاء والتي تبدو كالثابت الكوني قليلًا، ولكن تتغير كثافتها ببطء. فأيًّا كانت الإجابة.. فالطاقة المظلمة هي مفتاحٌ لبوابةٍ جديدة. يقول مارك ترودن عن الطاقة المظلمة:«هي منطقة كاملة من المبادئ الأساسية غير المكتشفة للفيزياء»، وهو عالمُ كونياتٍ نظري ومدير مركز بين للجسيمات الكونية في بينسلفانيا.
لن يغير العثور على الإجابة نظرتنا للطبيعة فقط إلا أنَّه سيتنبأ بمصير الكون.

انفجار من الأفكار

قد تبقى الطاقةُ المُظلمة مُجرَّدَ وهمٍ بالرغم من وجود الكثير من العيون التي تنظر إلى السماء؛ لذا يتطلع بعضَ علماء الفلك إلى تحقيقاتٍ أكثر غرابةٍ عن الكون. يُشير انفجار أشعة جاما (GRBs) إلى طاقةٍ إشعاعيةٍ كبيرة من الكون البعيد، ويعتقد الكثيرون أن يكون السبب هو انهيار نجمةٍ ضخمة لتُشكِّل ثقبًا أسودَ أو نجم نيوتروني. أرادت ماريا داينوتي من جامعة استانفورد في كاليفورنيا استخدام انفجار أشعة جاما كنوعٍ جديٍد من الشمعة القياسية مما يبدو بالمهمة الصعبة؛ لأنَّ هذه الانفجارات تتنوع بصورةٍ عشوائية غريبة، فهي تومض وتتلاشى دون أي نمط. ولكن وجدت داينوتي عام 2008 أنه من بين انفجاراتٍ مُعيَّنةٍ لأشعة جاما حيث تقع الانبعاثات الصادرة منه على هضبة وتسقط مجددًا، أنه كلما كان ارتفاع الهضبة أقل كلما كان الانفجار أكثر سطوعًا.
فحتى الآن داينوتي متحفظة حول استخدام انفجارات أشعة جاما بدقة في علم الكونيات؛ لأنه حتى الآن لا يوجد سبب فيزيائي صريح لعلاقاتها، فلم يعرف الباحثون بعد ما يدور داخل هذه الانفجارات عندما ينهار جوهر النجم، حيث يُمكن للانبعاثات عالية الطاقة تلك أن يتم توليدها عن طريق دوران نجم نيوتروني بسرعة أو سقوط مادة في ثقب أسود حديث.
لكن عند رسوخ النظرية أكثر، من الممكن لها أن تضيء الأيام الأولى للطاقة المظلمة، فانفجارات أشعة جاما أفضل بكثير من نوع السوبرنوفا؛ لذا يمكنهم استخدامها لرؤيةٍ أوضح وأبعد وتعقب التمدد عندما كان كوننا أقل من بليون عام. فإذا كانت تُغير الطاقة المظلمة طبيعتها فمن الممكن لهذه النظرة البعيدة أن تكون مصيرية.

إنَّ علماء الفيزياء مُولَعُون بالغرابة؛ لذا ستجد أن معظمهم متطلعٌ لنتيجة الآخرين، حيث إن معظم المواد في كوننا تتطور دائمًا بشكلٍ أغرب من طاقة الفراغ حتى. إذا وُجد أن العجلة المصاحبة للتمدد الكوني هي حقل طاقة جديد أو مجرد تعديل لتعريف الجاذبية، ستكون العواقب وخيمة. يقول ترودين:«إنها من الممكن أن تجعلنا نعيد التفكير في الجاذبية وكيفية تفاعل الجسيمات فيزيائيًا».
فدائمًا ما كان علماء الفيزياء النظرية مهووسين بإيجاد وصفٍ ماديٍّ مُفصَّلٍ عن الجاذبية منذ أينشتاين. لنواجه حقيقة الأمر أخيرًا، فربما نُضطر أن نتخلَّى عن مفهوم الثابت الكوني لأينشتاين للمرة الثانية.

إعداد وتصميم: بيير عماد
مراجعة: Mohamed Sayed Elgohary

مصادر:

http://sc.egyres.com/5fPZe