الرئيسية / علوم طبيعية / كيمياء / الكيمياء وراء الأسمنت

الكيمياء وراء الأسمنت

سَواءٌ كنت في الشارع، منزلك، عملك، جامعتك، أو حتى مدرستك، جالسًا أو متحركًا، تنظر يمينًا أو يسارًا، للأعلى أو للأسفل؛ فعلى الأغلب -إن لم يكن أكيدًا- ستجد حولك كتلة إسمنتية ما متمثلة في بناء أو جسر أو رصيف إلخ، فما هو الأسمنت الذي يحيط بنا من كل الجوانب؟ وكيف يعمل؟ وما هي الكيمياء الكامنة خلفه؟ إذا أثارت تلك الأسئلة مستشعرات الفضول في داخلك فتابع هذا المقال.

1- ما هو الأسمنت؟

الأسمنت بوجه عام يندرج تحت المواد اللاصقة، ولكنه يختص تحديدًا بتجميع ولصق مواد البناء المختلفة مع بعضها. فهو عبارة عن مسحوق ناعم للعديد من المركبات الأرضية (عادة ما تكون مصنوعة من أنواع مختلفة من الرمل والحصى)، والتي عند خلطها بالماء تتصلب، أما كيميائيًا فهو مزيج من بعض المركبات الكيميائية التي تكون بللورات لا تُرى بالمجهر عند تفاعلها مع الماء، مُشكّلةً خليط هلامي سرعان ما يتجمد ويتحول إلى كتلة صلبة.

2-  تاريخه:

     أ-  الأسمنت في العصور القديمة:

قد تظن عزيزي أن البشرية هي المبتكر الأول للأسمنت، ولكن الطبيعة سبقتها عندما تفاعلت الأحجار الجيرية المحروقة بفعل الحرارة مع الصخور النفطية قبل ما يقارب 12 مليون عام، ولكن ارتباط الأسمنت تاريخيًا مع البشر يعود على الأقل إلى عام (6500 ق.م)؛ عندما قدمت حضارة الأنباط (والتي عاشت في بعض مناطق من سوريا والأردن حاليًا)  أولى تقنيات صناعة الأسمنت، والتي تُقارب بشدة تقنيات صناعة الأسمنت المستخدم حاليًا، كما يُعتقد أنهم ابتكروا أول صور الأسمنت الهيدروليكي (أحد انواع الأسمنت القادر على التصلب في وجود الماء)، وفي حضارات أُخرى كالآشوريين والبابليين، تم استخدام الطين كمادة مجمعة ولاصقة لمواد البناء، واستخدم المصريون القدماء الجير والجبس لنفس الغرض.

  ب- أسمنت عصر التنوير:

في عام (1759م) كُلف المهندس البريطاني (جون سميتون – John Smeaton) ببناء منارة إديستون الثالثة (the third Eddystone Lighthouse)، والتي أجبرته على ابتكار شكل جديد من الأسمنت؛ حيث استخدم كلًا من الحجر الجيري والحصى والصلصال المحروق، مازجًا بعضهم ببعض. وتبعه بعد ذلك البنَّاؤون في استخدام ذلك الأسمنت في تشييد العديد من الأبنية الأخرى حتى عام(1824م)؛ حيث ابتكر المخترع البريطاني (جوزيف أسبدين – Joseph Aspdin) نوعًا جديدًا من الأسمنت يطلق عليه (أسمنت بورتلاندي – Portland cement)، وكان ما قدمه جديدًا في صناعة الأسمنت هو حرق الجير الحي والطين معًا، وهو الأسمنت الذي ظل مهيمنًا على صناعة الخراسانات.

   ج- الثورة الصناعية والأسمنت المسلح:

تقدمت صناعة الأسمنت في هذا العصر تقدمًا ملحوظًا، وباتت تأخذ أشكالًا جديدة كان أهمها هو إدارج المعادن (الحديد عادةً) داخل خليط الأسمنت لتشكيل ما يسمى بالأسمنت المسلح ( ferroconcrete)، حيث قام بأبتكار هذا النوع من الأسمنت البستاني الفرنسي (جوزيف مونييه – Joseph Monier) عام (1849م)، وحصل على براءة اختراع على هذا الأسمنت عام (1867م). بدأ مونييه في البداية ببناء أحواض في البساتيين مستخدما ذلك الأسمنت الجديد، مطعمًا إياه بشبكة من الحديد، حيث يتميز هذا النوع من الخرسانة بقابليتها للبسط والانحناء، بالإضافة إلى تحمل الضغوط والأوزان الثقيلة.

3- أنواعه:

تتمايز  أنواع الأسمنت إلى أشكال عديدة تبعًا لتركيبها الكيميائي والوظيفة التي يقوم بها، ولعل أشهر تلك الأنواع:

1- أسمنت بورتلاندي: ذلك الأسمنت السالف ذكره والمبتكر بواسطة (أسبدين)، وهو عبارة عن مسحوق ناعم رمادي اللون، يتم تصنيعه عن طريق طحن وحرق خليط من الحجر الجيري والطين معًا، وتعتمد ميكانيكية عمله على تفاعل سليكات الكالسيوم وبعض المواد الأخرى الداخلة في تركيب هذا الأسمنت مع الماء، حيث يتحلل المركب الناتج من هذا التفاعل ويتصلب مع الوقت، وسُمي هذا الأسمنت بهذا الاسم تيمنًا بجزيرة بورتلاند؛ والذي تتشابه أحجارها مع هذا الاسمنت.

 

2- الأسمنت عالي الالومنيا  (High-alumina cement): يتكون هذا الأسمنت من العديد من المركبات والتي تتواجد بكميات معينه، مثل الجير الذي تتراوح كميته في حدود (35% :40%)، والألومنيا بنسبة (40% :50%)، وأكاسيد الحديد التي قد تصل نسبتها إلى (15%) والسيليكا التي يجب أن لا تتجاوز نسبتها ال(5%). يتميز هذا النوع من الأسمنت باكتساب صلابته الكاملة خلال (24) ساعة، بالإضافة إلى مقاومته للهجمات الكيميائية، كما يستخدم هذا الاسمنت في بناء البطانة الداخلية للأفران.

 

3- الأسمنت المتمدد وغير القابل للانكماش (Expanding and non shrinking cement): يتميز هذا النوع من الأسمنت بقدرته على التمدد قليلًا عند تفاعلة مع الماء؛ معوضًا الانكماش الناتج عن جفاف الأسمنت وتصلّبه. تم إنتاج هذا النوع في فرنسا عام (1945م) وتتركب النسخة الأمريكية منه من أسمنت بورتلاندي ومادة مُمددة مصنوعة من الطباشير والبوكسيت والجبس.

4- الأسمنت الأخضر:

تواجه عمليات صناعة الأسمنت العديد من التحديات، مثل الاستخدام المفرط للوقود الأحفوري، وندرة المواد الخام مقابل زيادة الطلب عليه، وتزايد المخاوف المرتبطة  بتغير المناخ، حيث يتسبب إنتاج كل طن من أسمنت بورتلاندي العادي انبعاث كمية مماثلة من ثاني أكسيد الكربون، وهي كمية تمثل حوالي (6%) من مجموع ما ينتجه البشر من ثاني أكسيد الكربون. ولحل مثل هذه المشاكل يتم خلط بعض المواد ذات القيمة الإقتصادية المنخفضة وبعض النفايات الناتجة عن صناعات أخرى بالأسمنت، مثل الرماد المتطاير الناتج من احتراق الفحم، والخَبث الناتج من أفران البرج العالي المستخدم في إنتاج الحديد، وما يسمى بغبار السيليكا (silica fumes) الناتجه من أفران القوس الكهربي المستخدم في إنتاج عنصر السيلكون أو سبائك الفروسيلكون، ويتم فحص هذه الخلطات معمليًا وعلى أرض الواقع للتأكد من فاعليتها.

إعداد: Ahmed Fahmy

مراجعة: Amira Esmail

المصادر:

http://sc.egyres.com/5k9c9

http://sc.egyres.com/Bu2sS

http://sc.egyres.com/uKuXa

http://sc.egyres.com/3Lffc

http://sc.egyres.com/tjabD

http://sc.egyres.com/PWfI1

عن أحمد فهمي

احمد فهمي، لسة طالب في كلية علوم قسم كيميا خاص، مهتم بالفلك حبتين، وبحب الكتابة وبس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القنبلة الهيدروجينية «عندما يتجسد الشر»

في الثالث من سبتمبر/أيلول عام (2017م)، وتحديدًا في السابعة والنصف مساءًا، استقبلت ...