الرئيسية / علوم اجتماعية / فلسفة / العقيدة والمنطق: بين جلال الوحي وسلطة العقل. (1)
العقيدة والمنطق: بين جلال الوحي وسلطة العقل.
العقيدة والمنطق: بين جلال الوحي وسلطة العقل.

العقيدة والمنطق: بين جلال الوحي وسلطة العقل. (1)

نتتبع في هذي السلسلة مراحل التطور الفكري على مر التاريخ في العلاقة بين العقيدة الدينية والمنطق.

مقدِّمة:

يُعتبر الإيمان والمنطق على حد سواء مصادر للسلطة حيث تكمن المعتقدات.

المنطق: وهو بشكل عام عبارة عن مبادئ لإجراء تحقيق منهجي، الفكرية منها، والأخلاقية، والجمالية، والدينية؛ وبالتالي، فهو ليس ببساطة قواعد للاستدلال المنطقي أو الحِكمة المُجَسِّدة للتقاليد أو السلطة، بل عادة ما يُفترض كنوع ما قابل للإثبات كـ (إثبات خوارزمية)؛ ويفهم الاقتراح أو الادّعاء بأنه مبرّر وصحيح بمجرد إثبات ذلك.

الإيمان: ينطوي الإيمان على موقف تجاه بعض الادّعاءات والتي لا يمكن إثباتها بالمنطق في الوقت الحالي على الأقل؛ وبالتالي، فإنه نوعًا ما موقِفًا من الثقة والقبول؛ وعلى هذا النحو، يُفهم عادة أنّه ينطوي على فعل الإرادة والالتزام كجزء على عاتق المؤمن.

الإيمان الديني: ينطوي الإيمان الديني على الاعتقاد، والذي يكون نوعًا ما ضمنيًا أو صريحًا إلى مصدرٍ سامٍ لا مثيل له، وعادة ما يأتي أساس إيمان الشخص من جهة الوحي، وعلاوة على ذلك، فإنَّ الوحي إما يكون مباشرة وإما شبه مباشر وإما غير مباشر، والمعتقدات الدينية التي تعتبر أهداف الإيمان، والتي يمكن تقسيمها إلى ما يمكن إثابتها بدقة (Scienta)، وإلى تلك التي تُبلّغ الممارسات الفاضلة للمؤمن (Sapientia).

يتكون الإيمان الديني من نوعين:

  • أدلة حساسة.
  • أدلة غير حساسة.

ويتضمن الأول وجهات نظر الإيمان منسقة بشكل وثيق مع حقائق واضحة، ويعتبر الثاني أكثر صرامة كعمل من إرادة المؤمن الديني بشكل منفرد.
ويتضمن الأول الأدلة التي حصل عليها من شهادات وأعمال المؤمنين الآخرين؛ ومع ذلك، فمن الممكن أن تعتقد الاعتقاد الديني ببساطة على أساس الإيمان وحده أو المنطق وحده.
وعلاوة على ذلك، يمكن للمرء أن يفتقر حتى للإيمان بالله أو ينكر وجوده، ولكن لا ينفك من ممارسة الدين.

ويأتي الزخم الأساسي حول مشكلة العقيدة والمنطق من حقيقة أنَّ الوَحي أو مجموعة الوُحِيّ التي تستند عليها معظم الديانات والتي عادةً يتم وصفها وتفسيرها في الأقوال والتصريحات المقدسة، إما في تقليدٍ شفهيّ، وإما في كتابات شرعية؛ وذلك بدعمٍ من السلطة الإلهية، وعادة ما تُقدّم هذه الكتابات أو التقاليد الشفهيّة في أشكال أدبية كـ (السرد أو المَثَل أو الحوار)؛ وبالتالي، فهم بقدرٍ ما محصنين من النقد العقلاني والتقييم.

في الواقع، إنَّ محاولة التحقق من المعتقدات الدينية بشكل عقلاني يمكن أن يُنظر إليه على أنه خطأ، ومع ذلك فإنَّ معظم التقاليد الدينية تسمح بذلك، بل وتشجع نوعًا ما من الفحص العقلاني لمعتقداتهم.
وتعتبر القضية الفلسفية فيما يتعلق بـ مشكلة الإيمان والمنطق وهي تحديد كيفية ترابط سلطة الإيمان وسلطة المنطق في العملية التي يكون فيها الاعتقاد الديني مبرّرًا أو مبرّرًا على أنّه صحيح.

وهناك أربعة نماذج أساسية للتفاعل بين هذا وذاك:

  1. نموذج الصراع.
  2. النموذج غير المتوافق.
  3. نموذج التوافقية الضعيف.
  4. نموذج التوافقية القوي.

نموذج الصراع:

يبدو هنا أنَّ الأهداف، والغايات، والطرق التي يعمل بها المنطق والإيمان متشابهة لدرجة أن تكون متماثلة؛ وعلى هذا النحو، فهناك منافسة حقيقية بينهما عندما يقولان أشياء مختلفة.
هذا النموذج يُفترض على حد سواء من قبل الأصوليين الدينيين، والذين يحسمون التنافس على جانب الإيمان، و (العلماء العلميين-scientific naturalists)، والذين يحلونها على جانب العقل.

النموذج غير المتوافق:

تُفهم هنا الأهداف، والغايات، والطرق التي يعمل بها المنطق والإيمان على أنها مُتميّزة، ويمكن تجزئة كلًا منهما، حيث يهدف المنطق إلى الحقائق التجريبية بينما يهدف الدين إلى الحقائق الإلهية؛ ولذلك لا يوجد تنافس بينهما.

وينقسم هذا النموذج إلى ثلاثة أقسامٍ فرعية:
  • يمكن للمرء عقد الإيمان في كل مكان على وجه الأرض؛ وذلك لأنّ له شأن أعلى من المنطق، وهذي الاستراتيجية تم استخدامها من جانب بعض الوجوديين المسيحيين.
    بينما يُمكن للمنطق هنا أن يعيد بناء ما سبق بيانه ضمنًا في العقيدة والممارسات الدينية.
  • يمكن للمرء أنْ يرى المعتقد الديني غير منطقي؛ وبالتالي لا يمكن أن يخضع لتقييم عقلاني ومنطقي على الإطلاق، وهذا هو الموقف الذي يُتخذ عادة من أولئك الذين يؤمنون بما يسمى باللاهوت السلبي[1]، ويفترض في هذي الطريقة أن تصل كل التكهنات حول الله إلى نفي ما يتصف به حقًا.
  • ويشمل هذا الأخير أيضًا نظريات الاعتقاد التي تدّعي أنّ اللغة الدينية ليست إلا مجازية أو ضمنية في طبيعتها؛ فهذه وغيرها من الأشكال الغير منطقية تؤدي إلى ما يُعتقد عادة حيث الإيمان أو الاعتقاد بـ (الاقتناع بأن الإيمان لا ينبغي أن يخضع لأي توضيح أو تبرير منطقي).

النموذج ضعيف التوافق:

ومن المفهوم هنا أنَّ الحوار ممكن بين العقيدة والمنطق، ويحتفظ كلًا منهما بالتقييم والحجج القوية المتميزة.

على سبيل المثال: يمكن أن يُرى جوهر الإيمان في تحقيق المعجزات، وبينما المنطق يُرى بتحقيق الطريقة العلمية لاختبار الفرضيات، وتعتمد المسيحية في كثير من نماذج الإصلاح على هذا النموذج الأساسي.

النموذج قوي التوافق:

ويفهم هنا أنَّ هناك اتصال عضوي بين العقيدة والمنطق، وربما حتى في حالة تكافؤ (أي متساويان)، ويطلق على الشكل النموذجي للتوافقية القوية اللاهوت الطبيعي، ويمكن إثبات مواد العقيدة بالمنطق، إما بشكل استنتاجي (من أماكن لاهوتية مشتركة على نطاق واسع) وإما بشكل استقرائي (من التجارب المشتركة).
ويمكن أنْ يأخذ واحدًا من شكلين:
• إما أن يبدأ بمطالبات علمية مبرّرة وتكملها بمطالبات لاهوتية صالحة وغير متاحة للعلم.
على سبيل المثال: الإثبات الكوني لوجود الله.

• وإما أن يبدأ بمطالبات نموذجية ضمن تقاليد لاهوتية وتعمل على تحسينها باستخدام التفكير العلمي.
على سبيل المثال: الحُجّة القائلة بأنَّ العلم لن يكون ممكنًا ما لم يضمن الله الخير بأنْ يجعل العالم واضحًا.

يتمسك الكثير، ولكن بالطبع ليس الجميع من الفلاسفة الرومان الكاثوليك واللاهوتيين بإمكانية اللاهوت الطبيعي.
وقد سعى بعض علماء اللاهوت الطبيعي إلى توحيد الإيمان والمنطق في نظام ميتافيزيقي شامل.
ويجب على النموذج قوي التوافق هنا أنْ يُفسّر لماذا اختار الله أن يكشف نفسه منذ وصولنا إليه من خلال الإيمان والمنطق.

إنَّ التفاعل بين العقيدة والمنطق موضوعًا هامًا في فلسفة الدين، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا، بل متميّزًا في عدة قضايا أخرى في فلسفة الدين كـ (وجود الله، والصفات الإلهية، ومشكلة الشر، والعمل الإلهي في العالم، والدين والأخلاق، الخبرة الدينية واللغة الدينية، ومشكلة التعددية الدينية).
وعلاوة على ذلك، يمدنا تحليل التفاعل بين العقيدة والمنطق بمصادر لقضايا فلسفية في جوانب أخرى كـ (الميتافيزيقيا، وعلم الأنطولوجيا، وعلم المعرفة).

وتتطرق قضايا التفاعل بين العقيدة والمنطق إلى أيّ دين تقريبًا؛ فإن هذه المادة ستركز في المقام الأول على المطالبات العقائدية التي عثر عليها في الأديان الثلاث التوحيدية الكبرى، اليهودية، والإسلام، والمسيحية بشكلٍ خاص – ونتتبع في بقية السلسلة تاريخ تطور التفكير في العلاقة بين العقيدة والمنطق في الفلسفة الغربية من العصر الكلاسيكي عند اليونانيين وحتى نهاية القرن العشرين.

ترجمة وتصميم: مُحمد فتحي.
المصدر: http://sc.egyres.com/30x6J

[1] (اللاهوت السلبي-negative theology): هو نهج لاهوتي مسيحي يصف الله بالنفي، والذي يقتضي عدم تعريف الله في كلمات بشرية لن تفي بالغرض أو لن تحقق هدفها أو لن تكون كافية لوصفه؛ وذلك لأن النفي يضفي معنى أكثر مرونة ووضوحًا.

عن محمد فتحي

What is the point of being alive if you don't at least try to do something remarkable?! I've came here to make a difference in this world. I'm gonna do my best to do what i supposed to achieve. I never give up and never go back on my word, that is my way of life.

2 تعليقان

  1. تعقيبات: Ivon Gregory

  2. تعقيبات: creditmattersinc.org

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لدينا جميعًا جانبٌ مظلم!

النجم اللامع على مسافة آلاف من السنوات الضوئية ما هو سوى اشتعال ...