الرئيسية / طب وصحة / طب نفسي / اضطراب الوسواس القهري..عندما تُطاردك أفكارك!

اضطراب الوسواس القهري..عندما تُطاردك أفكارك!

ما هو اضطراب الوسواس القهري؟

اضطراب الوسواس القهري «Obsessive Compulsive Disorder-OCD» هو اضطراب عقلي يتميز بأفكار غير معقولة ومخاوف في صورة وساوس أو هواجس، والتي تقودك للقيام بسلوكيات متكررة «قهرية»، ومن الممكن أيضًا أن يصاب الشخص بالوساوس فقط أو الدوافع القهرية فقط ولكن لا يزال يسمى «اضطراب الوسواس القهري».

 

المريض بالوسواس القهري قد يدرك أو لا يدرك أن الوساوس أو الهواجس الخاصة به ليست معقولة، ويحاول تجاهلها أو وقفها، ولكن ذلك يزيد الكرب والقلق، في نهاية المطاف يشعر أنه مدفوعًا إلى القيام بأعمال قهرية في محاولة لتخفيف مشاعر التوتر لديه.

 

والآن سنتكلم بالتفصيل عن كلًا من «الوسواس» و«الدافع القهري»:

 

أولًا الوَساوِس «Obsessions»، هي أفكارًا أو صورًا تحدث مرارًا وتكرارًا في عقله، ويشعر المريض أنها خارج سيطرته، الأفراد المصابون بالوسواس القهري لا يريدون هذه الأفكار وتسبب لهم إزعاجًا. في معظم الحالات، فإن هؤلاء الاشخاص يدركون أن هذه الأفكار ليس لها أي معنى أو سخيفة، وعادة ما تكون الوساوس مصحوبة بمشاعر عنيفة وغير مريحة، مثل الخوف، والاشمئزاز، والشك، وهذه الوساوس تسبب مضيعة للوقت، وتعرقل النشاطات الهامة في حياة الشخص اليومية، هذا الجزء الأخير مهم للغاية عندما نأخذه في الاعتبار؛ لأنها تحدد ما إذا كان الشخص لديه اضطراب نفسي وليس مجرد سمة شخصية كالـ«الهوس».

 

ومع الأسف، كلمة الوسواس تستخدم عادة في اللغة الدراجة كل يوم، وهذه استخدامات عرضية؛ حيث تستخدم بمعنى أن شخصًا ما مشغولًا بموضوع أو فكرة أو حتى بشخص آخر، وعندما نعبر عن شخص ما بأنه «مُوَسْوَسٌ أو مَهْوُوسٌ» في هذا المعنى، فإن هذا الهَوَس لا يصاحبه مشاكل في الحياة، فيمكنك أن تكون مهووسًا مثلًا مع أغنية جديدة تسمعها، ولكن لا يزال بإمكانك تلبية نداء صديقك لتناول العشاء، والاستعداد للنوم في الوقت المناسب، والذهاب إلى العمل في الوقت المحدد كل صباح، وما إلى ذلك. في الواقع، فإن الأفراد المصابون بالوسواس القهري يشعرون بالضيق عند سماع هذا الاستخدام من «الهوس أو الوسواس»، لأنها تشعرهم كما لو أنه يُقلّل من شأن صراعهم مع أعراض اضطراب الوسواس القهري.

 

حتى لو كان مضمون الوسواس هو أكثر خطورة، فعلى سبيل المثال، فإن كل منا قد كان موسوسًا من وقت لآخر حول الخوف من الإصابة بمرض ما، أو القلق حول سلامة أحد أفراد أسرته، أو الخوف عما إذا كان ارتكب خطأ قد يهدد بحدوث كارثة، وهذا لا يعني أن هذه الوساوس هي بالضرورة أعراض اضطراب الوسواس القهري، في حين أن هذه الأفكار تبدو نفسها التي تدور في رأس الشخص المصاب بالاضطراب، لكن الشخص السليم بدون اضطراب الوسواس القهري تسبب له هذه الأفكار قلقًا للحظات أو فترات معينة، ثم يمضي قدمًا في حياته، أما الأشخاص المصابين بالاضطراب غالبًا ما تكون لديهم «أفكارًا داخلية» غير مرغوب فيها ، ومن وقت لآخر، وبشكل متكرر، وبكثرة واستمرار فإن هذه الأفكار الدخيلة تثير القلق الشديد الذي يعرقل مسيرة حياته اليومية.

 

ثانيًا الدوافع القهرية «Compulsions»، وهي الجزء الثاني من اضطراب الوسواس القهري، هذه هي السلوكيات المتكررة التي يستخدمها الشخص بقصد مواجهة أو جعل وَسَاوِسَه تزول. فالأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري يدركون أن هذه السلوكيات القهرية ليست سوى حلولًا مؤقتة، ولكن من دون وجود وسيلة أفضل للتعامل مع الوساوس، فهذه السلوكيات القهرية تعتبر بمثابة هروب مؤقت، ويمكن أن تشمل الدوافع أيضًا وتَجَنُّبِ المواقف التي تثير الوساوس، هذه الدوافع أيضًا تسبب مضيعة الوقت وتعرقل النشاطات الهامة في حياة الشخص اليومية.

 

على غرار الوساوس، ليس كل السلوكيات المتكررة أو «الطقوس» هي دوافع قهرية، لا بد من النظر في وظيفة وسياق السلوك، فعلى سبيل المثال، روتين وقت النوم، والممارسات الدينية، وتعلم مهارة جديدة تنطوي على تكرار النشاط مرارًا وتكرارًا، عادة ما تكون جزءًا إيجابيًا وفعالًا من الحياة اليومية، وأيضا السلوكيات التي تعتمد على السياق، فمثلًا ترتيب وإعادة ترتيب الكتب لمدة ثماني ساعات يوميًا ليس أمرًا غريبًا إذا كان الشخص يعمل في مكتبة مثلًا، وبالمثل، قد يكون لديك سلوكيات إلزامية لن تقع في نطاق اضطراب الوسواس القهري، فإذا كنت مجرد مُحبٍّ للتفاصيل أو ترغب في ترتيب الأشياء بعناية، في هذه الحالة، فإن الفعل يشير إلى سمة شخصية أو شيء عن نفسك، وهو أنك فعلًا تفضل هذا أو ما شابهه. أما في معظم حالات الأشخاص المصابون بالوسواس القهري، والذين يشعرون بدافع قهري للانخراط في السلوك القهري، فإنهم يفضلون لو أنهم لا يقومون بهذه السلوكيات التي تستغرق وقتًا طويلًا وتعذبهم عند تنفيذها، ويتم ذلك في محاولة للهرب منها أو تقليل القلق من وجود الوسواس أو الهواجس.

 

ما هي أشهر الأمثلة على تلك الوساوس؟

1- وساوس حول الخوف من التلوث: التلوث مثلًا من سوائل الجسم، مثل البراز والبول، أو من الجراثيم أو الأمراض، أو من الملوثات البيئية، أو من المواد الكيميائية المنزلية، مثل المنظفات، والمذيبات، أو من الأوساخ.

2- وساوس حول الخوف من فقدان التحكم أو السيطرة: مثل الخوف من عمل شيء يضر بنفسه، أو الخوف من عمل شيء قد يؤذي الآخرين، أو الخوف من الصور العنيفة أو المرعبة في عقله، أو الخوف من سرقة الأشياء.

3- وساوس حول الخوف من إحداث ضرر ما: مثل الخوف من كونه مسئولًا عن شيء رهيب يحدث، مثل السطو بالأسلحة، أو الخوف من إيذاء الآخرين بسبب عدم الحرص بما فيه الكفاية، فعلى سبيل المثال، اسقاط شيء على الأرض قد يتسبب بانزلاق شخص ما ويسبب له الضرر.

4- الوساوس المتعلقة بالكمالية: القلق حول التوزيع المتساوي أو دقة التوزيع، الخوف من فقدان أو نسيان المعلومات الهامة عند التخلص من بعض الأشياء، عدم القدرة على تقرير ما إذا كان عليه الحفاظ أو تجاهل الأشياء، الخوف من فقدان الأشياء.

5- وساوس جنسية غير مرغوب فيها: مثل الأفكار أو الصور الجنسية المحرمة أو الضارة، أو الدوافع الجنسية المحرمة أو الضارة للآخرين، أو هواجس حول المثلية الجنسية، أو الهواجس الجنسية التي تنطوي على الأطفال أو على الأقارب المحرمين، أو هواجس حول السلوك الجنسي العدواني تجاه الآخرين.

6- وساوس دينية: القلق من الإساءة إلى الله، أو القلق حول التجديف، أو القلق المفرط حول الحق والباطل أو الأخلاق.

7- وساوس الخوف من حدوث مرض جسدي، وليس عن طريق التلوث، مثل السرطان.

8- وساوس حول الأفكار الخرافية: مثل كون بعض الأرقام قد تحمل الحظ أم لا، وحول بعض الألوان أيضًا.

 

ما هي أشهر الأمثلة على الدوافع القهرية؟

1- الغسيل والتنظيف: غسل اليدين بشكل مفرط أو بطريقة معينة، الإفراط في الاستحمام، وتفريش الأسنان، وما شابه ذلك. تنظيف الأدوات المنزلية أو غيرها من الأشياء بشكل مفرط، القيام بأشياء أخرى لمنع أو إبعاد الاتصال مع الملوثات.

2- التدقيق: التحقق من أن ما فعله لن يضر بالآخرين، التحقق من أنه لم ولن يضر نفسه، التحقق من أن شيئًا فظيعًا قد حدث، التحقق من أنه لم يرتكب خطأ، فحص بعض أجزاء من الجسم.

3- التكرار: إعادة القراءة أو إعادة الكتابة، تكرار الأنشطة الروتينية، مثل: الدخول أو الخروج من الأبواب، تكرار حركات الجسم.

 

ما هي أسباب اضطراب الوسواس القهري؟

يسري أحيانًا كعامل وراثي في العائلات، ولكن لا أحد يعرف على وجه اليقين لماذا بعض الناس لديهم في حين أن البعض الآخر لا، وقد وجد الباحثون أن عدة أجزاء من الدماغ تشارك في الخوف والقلق، ومن خلال تعلم المزيد عن الخوف والقلق في الدماغ، قد يكون العلماء قادرين على خلق علاجات أفضل، كذلك التوتر والعوامل البيئية قد تلعب دورًا في ذلك.

 

من هم الأكثر عرضة للإصابة باضطراب الوسواس القهري؟

يبدأ غالبًا في مرحلة الطفولة أو في سن المراهقة، ويتم تشخيص معظم الناس بنحو سن 19 عامًا. أعراض الوسواس القهري قد تأتي وتذهب وقد يكون أفضل أو أسوأ في أوقات مختلفة. الوسواس القهري يصيب حوالي 2.2 مليون من الأمريكيين البالغين، وهو يصيب الرجال والنساء بنسب متساوية تقريًبا، وعادة ما يظهر في مرحلة الطفولة والمراهقة، أو البلوغ المبكر، ثلث البالغين الذين يعانون من الوسواس القهري تتطور لديهم الأعراض عندما كانوا أطفالًا، وتشير البحوث إلى أن الوسواس القهري قد يسري أحيانًا كعامل وراثي في العائلات.

 

هل من الممكن أن تمنع حدوث اضطراب الوسواس القهري؟

للاسف لا يمكن منع حدوث اضطراب الوسواس القهري، ومع ذلك، فالتشخيص المبكر والعلاج يمكن أن يساعد على تخفيف أو تقليل الوقت الذي يقضيه أولئك الأشخاص وهم يعانون من هذه الحالة.

 

كيف يتم تشخيص اضطراب الوسواس القهري؟

مسار المرض متنوع ومختلف بشكل كبير جدًا، فالأعراض قد تأتي وتذهب، وقد تتحسن مع مرور الوقت، أو تزداد سوءًا، إذا أصبح الوسواس القهري شديدًا أو عنيفًا، فإنه يمكنه أن يعرقل عمل الشخص وقيامه بالمسؤوليات العادية في المنزل. الأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري قد يحاولون مساعدة أنفسهم عن طريق تجنب المواقف التي تثير الهواجس أو الوساوس، أو قد يستخدمون الكحول، أو المخدرات لتهدئة أنفسهم. وأيضًا فإن الوسواس القهري يمكن أن يكون مصحوبًا باضطرابات الأكل، أو اضطرابات القلق الأخرى، أو الاكتئاب.

 

ما هي العلاجات المتاحة لاضطراب الوسواس القهري؟

بداية عليك التحدث مع طبيبك النفسي حول الأعراض الخاصة بك، ويتم التعامل مع الوسواس القهري عادة عن طريق العلاج النفسي والأدوية، أو كليهما.

– العلاج النفسي: وهناك نوع من العلاج النفسي يسمى «العلاج المعرفي السلوكي»، وهو مفيدة بشكل خاص لعلاج الوسواس القهري، وهو يعلّم الشخص طرقًا مختلفة في التفكير، والتصرف، والاستجابة للمواقف المختلقة التي تساعده أو تجعله أقل قلقًا أو خوفًا من دون وجود أفكار وسواسية، أو التصرف بشكل إلزامي. أحد أنواع هذا العلاج يسمى «التعرض ومنع الاستجابة»، وهو مفيد خصوصًا للحد من السلوك القهري في اضطراب الوسواس القهري.

 

-الأدوية: قد يصف الأطباء النفسيين الدواء للمساعدة في علاج الوسواس القهري، والأدوية الأكثر شيوعًا هي الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب، فالأدوية المضادة للقلق قوية، وهناك أنواع عديدة منها، العديد من الأدوية تبدأ العمل على الفور، لكنها عمومًا لا ينبغي أن تؤخذ لفترات طويلة.

يتم استخدام مضادات الاكتئاب لعلاج الاكتئاب، وهي أيضًا مفيدة بشكل خاص لاضطراب الوسواس القهري، ويمكن لبعض الأدوية أن تستغرق عدة أسابيع؛ حيث يبدأ عملها بعد 10 أو 12 أسبوعًا، وبعض هذه الأدوية قد تسبب آثارًا جانبية مثل الصداع، أوالغثيان، أو صعوبة في النوم، هذه الآثار الجانبية هي عادة ليست مشكلة بالنسبة لمعظم الناس؛ خاصة إذا بدأت بجرعة منخفضة وارتفعت ببطء مع مرور الوقت، ويجب التحدث مع طبيبك حول الآثار الجانبية التي قد تكون لديكم.

 

بعض الناس يتحسن بطريقة أفضل مع العلاج السلوكي المعرفي، وخاصة علاج التعرض ومنع الاستجابة، والآخرون يبدون أفضل مع استخدام الدواء، بينما لا يزال الآخرون يشعرون أنهم أفضل مع مزيج من الاثنين، وفي النهاية يجب التحدث مع طبيبك النفسي حول أفضل علاج لك.

 

كيف يمكنك التكيف مع اضطراب الوسواس القهري؟

التكيف مع الوسواس القهري قد يتطلب مواجهة تحديات قوية، وهناك بعض الطرق للمساعدة في التكيف مع الوسواس القهري:

1- معرفة المزيد عن الوسواس القهري وعن حالتك قد يعطيك دافعًا للتمسك بخطة العلاج الخاصة بك.

2- الانضمام إلى مجموعة الدعم: ويمكن لمجموعات الدعم أن تساعد الأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري على التواصل مع الآخرين الذين يواجهون تحديات مماثلة.

3- الاستمرار في التركيز على أهدافك: التعافي من الوسواس القهري هو عملية مستمرة، ضع هدفك نصب عينيك باستمرار وهو التعافي.

4- البحث عن منافذ صحية لتفريغ الطاقة الخاصة بك، مثل الهوايات والأنشطة الترفيهية، ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، وتناول نظام غذائي صحي، والحصول على النوم الكافي، يمكن أن يكون لها تأثيرًا إيجابيًا على علاجك.

5- تعلم الاسترخاء والتعامل مع الضغوط عن طريق محاولة استخدام تقنيات التعامل مع الإجهاد، مثل التأمل، واسترخاء العضلات، والتنفس العميق، واليوجا.

6- التصق بنشاطاتك العادية، مثل الذهاب إلى العمل أو المدرسة كما تفعل عادة، أو قضاء بعض الوقت مع العائلة والأصدقاء، لا تدع الوسواس القهري يعرقل طريقك أو نشاطاتك أو روتينك اليومي.

كل هذا طبعًا جنبًا إلى جنب مع متابعة الطبيب النفسي الخاص بك.

اعداد: Maria Abd Almasseh

مراجعة لغوية: Mohammad Marashdeh

المصادر:

http://sc.egyres.com/HA7uk

http://sc.egyres.com/3wctr

http://sc.egyres.com/HR5r7

عن ماريا عبد المسيح

طبيبة مصرية، مُهتمة بالأمور النفسية والاضطرابات العقلية، رؤيتي المستقبلية هي تغيير الوصمة ناحية المرض النفسي لكونه مرض زي أي مرض عضوي، تقدر تتواصل معايا على حسابي على الفيسبوك بخصوص أي اسئلة عن المقال ده أو مقالات سابقة. https://www.facebook.com/maria.abdalmasseh
x

‎قد يُعجبك أيضاً

إضطراب الشخصية السيكوباتية

**ما المقصود بالـ «سيكوباتية»؟ في محاولات البحث عن خبايا النفس البشرية والاعتلالات ...