الرئيسية / علوم اجتماعية / سيكولوجي / اضطراب الشخصية الارتيابية Paranoid Personality Disorder
اضطراب الشخصية الارتيابية
اضطراب الشخصية الارتيابية

اضطراب الشخصية الارتيابية Paranoid Personality Disorder

ما هو اضطراب الشخصية الارتيابية؟ 

PPD-Paranoid Personality Disorder

لغويًا، المصطلح مشتق من كلمتين في اللغة اليونانية (duo;para: بجانب)، (mind;nous: العقل)، فيصبح المعنى اللغوي، “الجنون بجانب العقل”. وطبيًا، يصنف الدليل التشخيصي الإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM5) هذا الاضطراب ضمن ما يسمى “المجموعة أ” من اضطرابات الشخصية.

أما إحصائيَا، وتبعًا لموقع المركز الوطني للصحة النفسية (NIMH)، فتبلغ نسبة الإصابة باضطرابات الشخصية ما يناهز 9.1 %، أي ما يعادل (23.1) مليون شخص من سكان الولايات المتحدة. جدير بالتنويه، أن الندرة في أرقام الإحصاءات الموضحة لانتشار هذه الاضطرابات، تجعل من المتعذر علينا معرفة عدد وتوزيع المصابين على وجه التحديد في العالم، سواءً لهذا الاضطراب خاصة، أو لغيره من اضطرابات الشخصية عامة. لكن بناء على موقع سايكسنترال (PsychCentral)؛ في عام 2016،  كانت المجموعة “أ” تمثل نسبة تترواح بين (2.3%-4.4%) من عدد السكان، وبنسبة أكبر في الذكور عن نظيرتها لدى الإناث.

من أنواع هذا الاضطراب اضطراب الشيزوفرانيا الارتيابية، وهو اضطراب مرافق لاضطراب الفصام (الشيزوفرانيا)، يدعى أحيانًا ب”الشيزوفرانيا مع الارتيابية”.  وكنا قد تعرضنا لاضطراب الشيزوفرانيا في مقال سابق (ما هو مرض الشيزوفرانيا) في الجزئين  (2،1).

التعريف

اضطراب الشخصية الارتيابية— هو نمط دائم من الخبرة الداخلية والسلوك المنحرف عند المصاب عن المعدل الطبيعي لثقافة الفرد العادي، ويمتاز بطريقة تفكير غريبة الأطوار. يتجلى بوضوح في منطقتين؛ الإدراك (الوجدان)، والأداء الشخصي في العلاقات مع الغير (الانفعال). يبدأ ظهوره لدى المصاب في مرحلة البلوغ المبكر أو المراهقة. ويتميز بنموذج سائد طويل الأمد من الارتياب وانعدام الثقة في دوافع الآخرين، لافتراض شبه دائم بتواجد الحقد لديهم.

قد يعترض البعض ذاكرًا بأنه من الطبيعي أن الناس ترتاب في من حولها، أحيانًا. هذا صحيح!… لكن المرء الذي يعاني من هذا الاضطراب- حتى دونما أدلة مؤيدة؛ يفترض توجه الآخرين لاستغلاله أو ضرره أو خداعه بشكل جدّ مفرطٍ. بالتالي، يفقد الثقة في وفاء أو مصداقية من حوله. ثم ونتيجة لحالة التيقظ الدائمة، يتعرض إلى صعوبات في بناء العلاقات مع الأشخاص في دائرته الصغيرة، فتصبح جميع علاقاته الشخصية والمهنية (الأزواج، الأصدقاء، زملاء العمل)، عرضة للرزوح تحت طائلة الضرر.

الأعراض

من أهم الأعراض عند المصاب:

– الريبة المتكررة غير المبررة في وفاء الزوج/الشريك، بسبب الشك في التزام الآخرين.

– رصد تهديدات مبطنة مخفية مهينة موجهة له، لا يراها الآخرون..حتى في الملاحظات البريئة أو النظرات العادية أو المواقف حسنة النوايا. بناء عليه، يقوم برد فعل غاضب وانتقام سريع.

– الميل بشدة، إلى الاستقلالية والاكتفاء الذاتي. الامتناع عن الكشف عن معلوماته للغير، خوفًا من استخدامها ضده، مع برودة المشاعر والبعد في العلاقات مع الآخرين. قد يصاب بالغيرة، ويتولى زمام التحكم.

– العدوانية، عدواني مولع بالجدل، ولا يتقبل النقد. ولا يتمكن من تبين موقعه في المشكلة، فهو دومًا على صواب.

– إضمار الضغينة والحقد، فلا يسامح ولا ينس الإهانة. مفرط الحساسية، ويواجه صعوبة في الاسترخاء.

الأسباب

حتى اليوم، لا تزال العوامل المسببة له ماكثةً أمام الباحثين في خانة المجهول.

يميل المختصون إلى ترجيح تأثير النموذج البيولوجي النفسي-الاجتماعي للسببية (BPS-Biopsychosocial Model of Causation). يشمل هذا النموذج شبكة معقدة من العناصر المهمة ذات الطبيعة المتداخلة. بمعنى، أهمية كلٍّ من العوامل البيولوجية والجينية (الناحية الوراثية)، والاجتماعية (تفاعل الشخص في مرحلة التطور المبكر مع أسرته وأصدقائه والأطفال حوله)، والنفسية (تشكل شخصية الفرد ومزاجه عبر بيئته مع المهارات المكتسبة لمواجهة الضغوط)..

على التوازي، تشير البحوث إلى وجود ارتفاع طفيف في خطر انتقال “تمرير” الاضطراب، من المصاب إلى أطفاله. وتتجه الإحصاءات إلى تأكيد الثقل النوعي للناحية الوراثية (الجينات)، في ظهور الاضطراب. حيث تدل المشاهدات على وجود علاقة بين ظهوره، وبين وجود أقرباء من ذوي درجة القرابة اللصيقة المصابون بالفصام (الشيزوفرانيا).

كما تلعب خبرات الطفولة المبكرة والمتضمنة للصدمات بنوعيها العاطفية والجسدية، دورًا في تطور الاضطراب. حيث سجل تأثير للتجارب السلبية- خاصة إذا توطد وجودها في بيئة يسودها التهديد المنزلي، في ظهور الاضطراب. فمن العوامل المؤثرة في هذه الدائرة، تواجد ضغط الغضب الأبوي متطرف الحدة في الدرجة ومنعدم الأساس من الصحة   و/أو النفوذ الأبوي المتعالي، مما يزرع لدى الطفل حالات متعمِّقة من انعدام الأمان.

المضاعفات

هنا، تتداخل كلًا من هذه السلوكيات والتصرفات مع قدرة المصاب في الحفاظ على علاقاته، وعلى أدائه المجتمعي والمهني. في العديد من الحالات، يخوض المصابون معارك قانونية ضد الأفراد أو الشركات، لاعتقادهم بأنهم مستهدفين. الاضطراب مزمن ويستمر-في الغالب- مدى الحياة. وعلى الرغم من تمكن بعض ممن يعانون منه من الزواج والحفاظ على الوظيفة، فإن البعض الآخر يعجز عن ذلك تمامًا بسبب رفضهم العلاج.. فتكون المحصلة سيئة في العموم.

 التشخيص

في تناذر مؤسف، نشهد غياب التشخيص-غالبًا، عند وجود نوع آخر لاضطرابات الشخصية. مثلًا، يسقط تشخيص اضطراب الشخصية الارتيابية للمصاب فيم لو تم التشخيص لاضطراب آخر عنده (ثنائي القطب).

تشخيص الاضطراب- كغيره من اضطرابات الشخصية، يتطلب توافر أنماط دائمة طويلة الأمد من السلوك. ولما كان تغير الشخصية في المراهقة أمر طبيعي للنضج، لذلك فإن التشخيص لا يتم قبل مرحلة البلوغ في العادة. ويتوجب وجود الأعراض لمدة سنة واحدة على الأقل، فيم لو تطلب الأمر تشخيصًا مبكرًا.

العلاج

ترتكز خطة العلاج لاضطراب الشخصية الارتيابية- تقليديًا، على العلاج النفسي طويل الأمد بواسطة المعالج النفسي المتمرس في هذا النوع من الاضطرابات. أحيانًا، تندرج العقاقير ضمن الخطة لمواجهة بعض الأعراض المعضلة والموهنة للعزيمة.

لسوء الطالع، نسبة نجاح الخطة العلاجية منخفضة بسبب صعوبة التحديات القائمة. فالثقة، أمر حيوي في العلاج النفسي. الإشكالية تستند إلى كون المصاب بهذا الاضطراب يتصف أساسًا بفقدان الثقة مع الآخرين، فلا يثق في الطبيب ولا المعالج النفسي.. بناء على ما سبق، لا يتبع الكثير من المصابين الخطة المرسومة؛ مما ينعكس بالضرورة على مآل العلاج. وتشتد حدة الاضطراب في فترة الأربعينات والخمسينات من العمر، حيث يعاني الكثير من المصابين به الحدود القصوى من بعض الأعراض.

عند هذا التقاطع الأخير، ومع التسليم بحقيقة استحالة منع ظهور الاضطراب؛ فإنه من الأمور الحسنة أن العلاج يمنح أحيانًا فرصة للشخص من ذوي القابلية للإصابة به، من أجل تعلم وسائل فعالة للتعامل مع الوقائع. الخبر السار في هذا المنعطف، أنه كمعظم اضطرابات الشخصية- تنخفض حدته مع التقدم في العمر.

—–

إعداد: ريما رباح

تحرير: يُمنى أكرم

المصادر:

goo.gl/5XrDpn

goo.gl/oMvnCn

goo.gl/pzDTDL

هذا المقال هو واحد من سلسلة مقالات اضطرابات الشخصية:
المقال 1: ما هو مرض الشيزوفرينيا؟ الجزء الأول (1/2)
‏https://goo.gl/3F8jjO
المقال 2: ما هو مرض الشيزوفرينيا؟ الجزء الثاني (2\2)
‏https://goo.gl/BpKPL4
المقال 3: ما هو اضطراب الشخصية النرجسية؟ 1-3
‏https://goo.gl/4HWR97
المقال 4: ما هو اضطراب الشخصية النرجسية؟ 2-3
‏https://goo.gl/onl2Cu
المقال 5: ما هو اضطراب الشخصية النرجسية؟ 3-3
‏https://goo.gl/x5nFs8
المقال 6: ما هو اضطراب الشخصية الهستيرية؟
‏goo.gl/b45RKO

عن ريما رباح

الحمد لله. كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي. الشافعي — خبرة عقدين في الأعمال الحرة. ماجستير في إدارة الأعمال.

تعليق واحد

  1. مقال عظيم كالعادة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اضطراب الشخصية الفصامية

ما هو اضطراب الشخصية الفصامية (ذات النمط الفصامي)؟

# سلسلة_ مقالات_ اضطرابات_ الشخصية المقال (8) – القائمة – نهاية المقال ...