طب بشري طب وصحة

أكل لحوم البشر، ما تأثيره على صحتنا؟

ليس هناك الكثير من الأفعال التي تُسبِّب الاشمئزاز والنفور أكثر من أكل الإنسان للحوم بني جنسه وهو يُسمَّى بالـ(Cannibalism). فهو فعلٌ مُقزِّز ووضيع وغير مقبولٍ أخلاقيًا بالنسبة لأغلب الثقافات. ولكن هل أكل لحوم البشر ضارٌّ لصحتك؟

رغم أن رد الفعل التلقائي تجاه أكل لحوم البشر يُشير إلى النفور الشديد والتقزز، إلا أن الأخلاقيات وراء هذه المشاعر ليست بالبساطة التي تبدو عليها لأول وهلة.

إن أكل لحوم البشر موجودٌ في كثيرٍ من الأجناس، وكان جزءًا من تاريخنا البشري لآلاف السنين.

في بعض الأحيان كان البشر يأكلون أجزاءً من أعدائهم في الحروب ليحصلوا على قواهم. وفي بعض القبائل كان هذا نوعًا من الطقوس الخاصة.

في الأوقات العصيبة لجأ الناس لأكل لحوم بني جنسهم كي لا يموتوا للحفاظ على بقائهم، وهناك تقارير عن حالات أكل لحوم بشر في مجاعة كوريا الشمالية في 2013، وحصار مدينة (لينينجراد-Leningrad) في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، وفي الصين في نهاية الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي أيضًا.



أكل لحوم البشر في المجاعة الروسية في 1921 م.

وفي أوروبا، حتى القرن الـ18 كانت تُباع وتُشتَرى أجزاء من جسم الإنسان كأدويةٍ للاستعمالات الطبية، خاصةً العظام والدم والدهون. حتى أن القساوسة والملوك كانوا يستهلكونها باستمرار لمداواة وعلاج أي شيء بدايةً من الصداع حتى الصرع، وبدايةً من نزيف الأنف حتى النقرس.

في بعض الثقافات عندما يموت أحد الأقارب، يستخدم أحباؤهم أجزاءً منهم ويأكلونها حتى يكونوا -حرفيًا- جزءًا منهم بعدما فارقوا الحياة.
بالطبع يبدو ذلك مزعجًا بالنسبة لأي شخصٍ متحضر، لكن بالنسبة لهولاء الذين يقومون بتلك الطقوس تبدو فكرة دفن جسدٍ قريبٍ لك في التراب لتأكله الديدان ويتحلل بنفس الإزعاج.

يبدو أن مشاعرنا تجاه هذا الفعل ليست بهذا الوضوح الذي تبدو عليه، فعلى سبيل المثال، الكثير مِنَّا يأكلون أظافرهم وبعض النساء تأكلن مشيمتهن بعد الولادة، أعتقد أن الأمر ضبابيٌّ إلى حدٍ ما.

لكن في هذا المقال لن نحتاج إلى مناقشة مشاعرنا الغريزية، بل سنركّز على التأثير الصحي السلبي لأكل لحوم البشر.

في بعض الحضارات يُعتبر أكل لحوم البشر هو آخر طوقٍ للنجاة، فهو يستخدم كبديلٍ أخير للطعام للحفاظ على بقائنا، لكن ما هي التأثيرات الصحية المحتملة لأكل أحد أصدقائك؟

المضاعفات الصحية لأكل أصدقائك:

رغم أن هذا يبدو خاطئًا، إلَّا أنَّ الخبر السعيد هو أن أكل اللحم البشري المطهو ليس أكثر خطرًا من أكل اللحم المطهو لأي حيوانٍ آخر، وهذا ينطبق على معظم جسم الإنسان، لكن هناك عضوٌ واحد يجب أن نتجنبه مهما حدث، وهو المخ.

في قبيلة الفور (The fore) بمدينة (بابوا) بغينيا الجديدة وحتى وقتٍ قريب، مارس أهلها أكل لحوم المتوفين من أقربائهم ( transumption). وهم نفس المجموعة التي واجهت المضاعفات الخطيرة لأكل المخ البشري.


كورو ( Kuru) هو مرضٌ مميت، قابل للانتقال ويصيب المخ. وهو أحد أنواع الاعتلالات الدماغية الإسفنجية، حيث يُسبِّب ثقوبًا صغيرة عديدة في القشرة المخية مسببةً المظهر الإسفنجي. يعتمد مرض الكورو على (البريونات)، وهو مرض شبيه بمرض جنون البقر ( bovine spongiform encephalopathy).


أمراض البريونات هي أمراض ناتجة عن تراكم غير طبيعي لبروتين سُكَّري يُدعى بروتين البريون (Prion protein) في المخ.
يوجد البريون بشكل طبيعي في الجهاز العصبي. لكن لا تزال وظيفته غير مفهومة، لكننا نعلم أنه يلعب دورًا هامًا في العديد من الأمراض.


صورة ميكروسكوبية لنسيج المخ المصاب بمرض بريوني، توضّح ظهور ثقوب صغيرة ليأخذ المخ شكل إسفنجي.

سكان تلك القبيلة هم السكان الوحيدون الذين واجهوا وباء داء الكورو. وفي ذروة الوباء في الخمسينيات من القرن الماضي، كان هذا الداء السبب الرئيسي لموت النساء في تلك المنطقة وما حولها.

يرجع أصل كلمة «كورو» إلى اللغة المحلية بالقبيلة، وتعني (الرعشة)، وتعني أيضًا (مرض الضحك) بسبب الحركات الضاحكة المندفعة التي قد تظهر عند المصابين به.

وصل أول إبلاغ عن حالة كورو إلى الغرب من خلال بعض الأستراليين ممن كانوا يستكشفون المنطقة، وكان البلاغ كالآتي:

«أول أعراض الموت المُهدد هو ضعفٌ ووهنٌ عام، ثم يتبعه عدم قدرة على الوقوف. يلجأ ضحايا المرض إلى منازلهم. يٌمكن للمريض أن يأخذ القليل من الطعام، لكنه يعاني من رعشاتٍ عنيفة. المرحلة التالية هي مكوث المريض في سريره وعدم القدرة على الأكل، ثم أخيرًا الموت» و.ت. براون

في ذروة الوباء، كانت 2% من حالات الوفيات في قرى الفُور بسبب داء الكورو. كان المرض يُصيب النساء والأطفال بشكلٍ أكبر من الرجال، حتى أن بعض القرى قد خَلَت تقريبًا من النساء.

يُعتقد أن الاختلاف القائم على النوع في انتشار الإصابة بالكورو راجعٌ لسببين: الأول هو أن الرجال في فترات الصراع اعتقدوا أن أكل اللحم البشري كان يضعفهم. والسبب الثاني هو أن الأطفال والنساء كانوا المسؤولين عن تنظيف الجثث، لذا كانوا أكثر عرضةً للإصابة.

– أعراض الكورو

يكمن الكورو في الجسم لمدة طويلة بلا أعراض، وتستمر تلك الفترة من 5 إلى 20 عامًا، وقد تصل في بعض الحالات إلى 50 عامًا.
عندما تظهر الأعراض تكون أعراضًا فسيولوجية وعصبية تُقسَّم إلى ثلاث مراحل:

مرحلة القدرة على التنقل:

  • صداع
  • آلام المفاصل
  • ارتعاش
  • فقدان توازن
  • تدهور القدرة على الكلام
  • تدهور التحكم في العضلات

مرحلة الاستقرار في المنزل:

  • فقدان القدرة على المشي
  • تدهور التنسيق العضلي
  • بعض الرجفات
  • فقدان الاستقرار النفسي، حيث يُصاب بالاكتئاب مع بعض الضحكات المندفعة اللإرادية.

المرحلة النهائية:

  • فقدان القدرة على الجلوس بدون مساعدة
  • فقدان التنسيق العضلي تمامًا
  • عدم القدرة على الكلام
  • عدم القدرة على التحكم في البول
  • صعوبة البلع
  • فقدان الاستجابة للمؤثرات الخارجية
  • تقرّحات وصديد
  • موت الأنسجة

بشكلٍ عام، لا يصمد المريض أكثر من عامين، وقد يموت بعد ثلاثة أشهر من ظهور الأعراض.
يحدث الموت عادةً بسبب الالتهاب الرئوي (Pneumonia)، أو بسبب الإصابات المنتقلة بسبب قرح الفراش.

الخبر السعيد هنا هو أن الكورو قد اختفى تقريبًا. ففي خمسينيات القرن الماضي، قام المبشرون المسيحيون وقوات الاحتلال الأسترالية بتقليل أكل لحوم البشر في الجنازات في قبيلة الفُور، وبعد تقليل هذة الممارسات لم يعد من الممكن انتشار البريونات بين الناس مما أدَّى إلى هبوطٍ واضحٍ في عدد المصابين بالمرض، وكانت آخر ضحية للكورو قد تُوفيت عام 2005.

رغم أن الكورو ليس مشكلة صحية تمس -أو من المحتمل أن تمس- أغلب البشر، إلّا أنَّ هذا الوباء كان مفيدًا للأطباء الباحثين.
الاهتمام مؤخرًا بجنون البقر (BSE) وداء كروتزفيلد جاكوب (
Creutzfeldt-Jakob disease) قد أعاد الاهتمام بالكورو نظرًا لتشابههم.

يظل مرض الكورو هو الوباء الوحيد المعروف الناتج عن مرض بريوني. وبفهم هذا المرض وكيفية عمله، يمكننا صناعة الأدوية لمنع أو تقليل فُرص الإصابة بأمراض البريونات العصبية.

المصدر:

http://sc.egyres.com/YwB3O


http://sc.egyres.com/hz15S

ترجمة: Ahmed A. Saeed
مراجعة: Mohamed Sayed Elgohary
تصميم: Ahmed A. Saeed

#الباحثون_المصريون

عن الكاتب

أحمد أشرف سعيد

بحاول اعمل الحاجات اللي تميزنا عن باقي الحيوانات، الكتابة والتفكير النقدي.

طالب في طب وبحب البيولوجي والطب وعلم النفس ~